أثر في الدور الثاني

أثر في الدور الثاني

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات
image about أثر في الدور الثاني

أثر في الدور الثاني

​بدأت الحكاية في شهر نوفمبر، وبالتحديد في تلك الليلة التي هطلت فيها الأمطار بغزارة شديدة لم نرَ مثلها من قبل. أنا أحمد، أعيش مع زوجتي "سارة" في الطابق الثاني من فيلا عائلية كبيرة ورثها والدي عن جدي. في الطابق الأرضي يعيش أخي الأكبر "محمود" مع زوجته وأولاده، بينما الدور الثالث مخصص لوالدي ووالدتي. الفيلا واسعة جداً، وبها ممرات طويلة، وكل شقة لها باب مستقل يفتح على سلم داخلي مشترك.

​في تلك الليلة، الساعة كانت تشير إلى الثانية عشرة منتصف الليل. كنت أعمل على جهاز اللابتوب الخاص بي في غرفة المعيشة، بينما سارة كانت قد ذهبت لتنام من التعب. الجو كان بارداً بشكل مبالغ فيه، ورائحة الرطوبة والأرض المبلولة كانت تملأ المكان. فجأة، سمعت صوتاً غريباً آتياً من السلم المشترك... وكأن أحداً يجر شيئاً ثقيلاً على الدرجات الخشبية ببطء شديد.

​توقف حاسوبي عن العمل لحظة انقطع التيار الكهربائي، فعم الظلام الدامس الشقة. أخرجت هاتفي المحمول وأضيفت كشاف الإضاءة. فتحت باب شقتي بحذر شديد، وخرجت إلى السلم المظلم. ناديت بصوت منخفض: "مين هناك؟ محمود؟ أنت صاحي؟".

​لم يأتي رد، لكن صوت الجر توقف تماماً. وفي نفس اللحظة، لاحظت شيئاً غريباً؛ باب السطح (المؤدي للدور الثالث والدور العلوي المهجور) كان مفتوحاً على مصراعيه، رغم أننا أغلقناه بإحكام قبل النوم بسبب الرياح. قررت أن اصعد لأعلى لأتأكد. خطوة بخطوة، وصوت أنفاسي يعلو مع كل درجة سلم. عندما وصلت إلى مدخل السطح، سلطت كشاف الهاتف، فلم أجد أحداً، لكن الباب كان يتحرك بعنف شديد مع الهواء البارد، وكأن أحداً كان يدفعه للتو.

​عدت إلى شقتي وأنا أشعر بقشعريرة تسري في جسدي كله. دخلت غرفة النوم فوجدت سارة نائمة بعمق. حاولت أن أنام، لكن في تمام الساعة الثانية والنصف فجراً، استيقظت على صوت طرقات منتظمة وثقيلة على حائط غرفة النوم المشترك مع المنور.

​تك... تك... تك…

​لم يكن صوت فأر ولا قطة، بل كان صوت أظافر طويلة تُخربش الحائط ببطء، ويتبعها صوت همهمة غير مفهومة، كأن شخصاً يتحدث بصوت خافت جداً وكأنه بجوار أذني تماماً. أيقظت سارة برعب، وفتحت عينيها مذعورة وقالت بصوت مهتز: "أحمد... أنت سامع اللي أنا سامعاه؟".

​قبل أن أجيب، انفتح باب دولاب الملابس الكبير الموجود في الغرفة من تلقاء نفسه ببطء شديد، وخرجت منه برودة شديدة جمدت أطرافنا. أمسكت بيد سارة بسرعة وخرجنا من الغرفة ونحن نرتجف، وقررنا النزول فوراً إلى شقة أخي محمود في الدور الأرضي لنستنجد به.

​جرينا على السلم، وبمجرد أن وصلنا أمام باب شقة محمود، وجدناه مفتوحاً قليلاً! استغربت جداً؛ لأن محمود وزوجته يحرصان دائماً على إغلاق الباب بالمفتاح ليلاً. دفعت الباب ودخلت، وكان البيت هادئاً بشكل مرعب. ناديت بصوت عالٍ: "يا محمود! يا إبراهيم!".

​لم يرد أحد. دخلت غرفة المعيشة الخاصة بهم، وهنا كانت الصدمة الكبرى التي أوقف قلبي لثوانٍ: كانت جميع أدراج المطبخ والخزائن مفتوحة ومبعثرة على الأرض، والتلفاز يعمل على قناة تعرض شاشة تشويش سوداء وبيضاء بصوت مزعج للغاية. والأغرب من ذلك كله، أن أخي محمود وزوجته وأولاده كانوا نائمين في صالة الحفل بعمق غريب، كأنهم تحت تأثير مخدر قوي، ولم يفقدهم الوعي أي صوت مما ركضنا فيه ​حاولت إيقاظ محمود، ففتح عينيه ببطء شديد، وكان نظره زائغاً ومخيفاً، وقال لي بصوت أجش غريب لا يشبه صوته أبداً: "هو نزل وراك... اقفل الباب وراك كويس يا أحمد".

​لم أستوعب المعنى وقتها، وسحبته معي هو وسارة وخرجنا إلى حديقة الفيلا حتى طلوع الفجر، رافضين البقاء دقيقة واحدة إضافية داخل الجدران الأربعة. في الصباح، وعندما تحدثنا مع والدي، أخبرنا بهدوء مرعب أن الجد الأكبر كان قد حكى له قديماً عن قصة بناء هذه الفيلا، وأن الدور الثالث كان يغلق دائماً لأسباب غامضة تتعلق بالسلام النفسي لمن يعيشون فيها.

​حتى هذه اللحظة، وبعد أن انتقلنا من تلك الفيلا وبعناها بأرخص أثمن, لا زلت أتذكر صوت الخربشة على الحائط، وصوت ذلك الباب وهو يفتح وحده في منتصف الليل.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Malak Hany تقييم 5 من 5.
المقالات

1

متابعهم

2

متابعهم

0

مقالات مشابة
-