على هامش العقل

على هامش العقل

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

على هامش العقل

image about على هامش العقل

لم أكن أؤمن بما يُسمّى بما وراء الطبيعة

ولا بالأرواح

ولا باللعنات

ولا بالقصص التي تبدأ بجملة

صدقني ما حصل حقيقي

أنا طبيب

والأطباء لا يصدقون إلا ما يمكن قياسه

ضغط

نبض

تحليل دم

وهذا بالتحديد ما جعل الأمر مزعجًا

لأن المريض الذي جلس أمامي

لم يكن لديه نبض

أقصد

كان حيًا

يتكلم

يتنفس

لكن جهاز قياس النبض

أصرّ على الصمت

قال لي بهدوء

دكتور هو هييجي النهارده

سألته

مين

ابتسم

وقال

اللي واقف وراك

لم ألتفت

لأن الأطباء لا يلتفتون لمثل هذه الجمل

لكن الزجاج خلفي

كان يعكس شيئًا

لم يكن أنا

خرج المريض

وبقيت وحدي

وفي تلك الليلة

فتحت دفتر الملاحظات

وكتبت لأول مرة

جملة لم أكن أظن أنني سأكتبها

هناك أشياء

لا تهتم برأيك العلمي

في الصباح حاولت أقنع نفسي إن اللي حصل وهم

قلة نوم

إرهاق

ضغط شغل

الأطباء بارعين في الكذب على أنفسهم

لكن المشكلة إن الكذبة ما بتكمّلاش

وصلت العيادة لقيت السكرتيرة بتقول

في مريضة مستنياك من بدري

قالت اسمها

سعاد

دخلت

ست كبيرة في السن

لبسها أسود

وابتسامتها زيادة عن اللزوم

قعدت

وقالت قبل ما أتكلم

دكتور أنا مش تعبانة

أنا جايالك عشان اللي ورايا

ضحكت ضحكة مهنية

وقلت

مفيش حد وراكي

قالت

ما هو ده اللي مضايقني

رفعت عيني بالغلط للمراية

اللي وراها

كرسيها كان فاضي

لكن في المراية

كان في ظل

واقف

سألتها

بتشوفيه امتى

قالت

دايمًا

إلا في المرايات

سكت

وده كان غلطي

قربت

وقالت بصوت واطي

هو بيكره المرايات

بتفكره بحقيقته

سألتها

مين هو

بصتلي نظرة شفقة

وقالت

زي ما انت شايفني كده

أنا جاية أودعك

قامت

ومشيت

فضلت باصص للمراية

الظل اختفى

بس الإحساس

لا

بعدها بيوم

عرفت إن الست

ماتت من عشر سنين

ومن ساعتها

بدأت أفهم

إن الحالات مش بتيجي صدفة

وإن في حد

أو حاجة

بتختارني

وفي آخر الصفحة في دفتري

كتبت

جملة واحدة

أسوأ أنواع الرعب

إنك تفضل عاقل

وسط حاجات مستحيل تكون موجودة

بدأت أكره الليل

ليس لأنه مظلم

بل لأنه صريح

في الليل

الأشياء لا تحاول أن تبدو طبيعية

كنت أراجع ملف مريض جديد

شاب في العشرينات

دخل العيادة من غير ما يخبط

قال

انت اتأخرت

قلت بهدوء مصطنع

اتأخرت عن ايه

قال

عن سماع الصوت

سألته

صوت ايه

ابتسم

وقال

اللي بينادي عليك كل ليلة

سكت

والصمت كان تقيل

قلت

انت تعرفني منين

قال

مش لازم أعرفك

هو يعرفك

قرب

وقال

بيحاول من امبارح

بس انت بتقفل ودانك

سألته

بينادي يقول ايه

قال

اسمك

بس مش بالطريقة اللي متعود عليها

سألته

طريقة ايه

قال

كأنه بينده على حاجة ضايعة

قمت

فتحت الباب

قلت

الجلسة خلصت

قبل ما يطلع

لف

وقال

خلي بالك

لما يبتدي ينادي باسم حد غيرك

يبقى الدور عليك خلص

خرج

قفلت الباب

وقعدت

وفي اللحظة دي

سمعت الصوت

جاي من جوه دماغي

مش عالي

مش واطي

هادئ

عارف

وبيقول اسمي

كأننا أصحاب من زمان

فتحت الدفتر

إيدي بترتعش

وكتبت

لو كان الجنون صوت

فهو أهدى مما توقعت

وفي آخر الصفحة

لقيت جملة

مش بخطي

لا تقلق

نحن لم نبدأ بعد

قفلت الدفتر

والنور طفى

ومن ورا الضلمة

سمعت نفس الصوت

بس أقرب

قضيت الليلة صاحي

النور كله مولّع

والشباك مقفول

كأني لو سبت فتحة

هييجي

الصوت ما رجعش

وده كان أسوأ

الصمت لما يطوّل

يبقى في حاجة بتستعد

تاني يوم دخلت العيادة

لقيت ملف على المكتب

أنا ما فتحتهوش

اسمي مكتوب عليه

بخط مش خطي

فتحت

لقيت ملاحظات

جلسات

تواريخ

كلها عني

حالات ما افتكرش إنها حصلت

أحلام

نوبات هلع

جُمل قلتها

وأنا لوحدي

في آخر الصفحة

كان في اسم

مكتوب ومتشطب عليه

كأنه اتحاول يتنسي

كل ما بصيتله

عيني تزغلل

سمعت خبطة خفيفة

من ورايا

المراية

اتشرخت

مش اتكسرت

اتشرخت

وكأن حد ضغط عليها من جوه

وفي الانعكاس

شافته

مش كيان

ولا شبح

نسخة

مني

بس عينيه فاضية

وابتسامته ثابتة زيادة

فتح بقه

بس الصوت ما طلعش

طلع في دماغي

وقال

افتكرت إنك لما درست العقل

بقيت بعيد عننا

قرب

من جوه المراية

وقال

اسمك كان أول باب

وانا اللي فتحته

رجعت لورا

المراية انفجرت

والصورة اختفت

وقفت ألهث

إيدي بتنزف

بس الدم ما كانش أحمر

كان غامق

تقيل

وكأنه قديم

قعدت

وكتبت آخر سطر في الصفحة

وأنا متأكد إني بكتب الحقيقة

لأول مرة

بعض الأسماء

لما تتقال

ما بترجعش أصحابها تاني

ومن تحت السطر

ظهر سؤال

لوحده

فاكر الاسم التاني؟

ما كنتش ناوي أدور

بس الفضول لما يبقى خوف

بيبقى أقوى

الاسم المتشطب

فضل في دماغي

زي شوكة

نزلت دار الكتب

طلبت سجلات قديمة

ملفات اتقفلت من سنين

الراجل العجوز بصلي

وقال

الاسم ده؟

حد لسه بيسأل عنه

سألته

يعني ايه

قال

يعني اللي بيسأل

بيكون اتشاف

فتح ملف

ورقة صفرا

حبر باهت

وقرالي

من غير ما ينطق الاسم

قال

زمان كان في اعتقاد

إن في أسماء

مش بتوصف الحاجة

لكن بتستدعيها

الاسم ده

كان بيتقال على طفل

اتولد

ومات

وعاش

كل اللي نطقوه

بدأوا يسمعوا نفس الصوت

وبعدين

يبقوا هو

سألته

يعني ايه يبقوا هو

قفل الملف

وقال

يعني يفضلوا فاكرين نفسهم

لحد ما يختفوا

رجعت البيت

والليل كان تقيل

لقيت الورقة على الترابيزة

الاسم

مكتوب كامل

من غير شطب

قريته في سري

غلط

غلط فادح

النور رعش

الحيطان قربت

والصوت

اتكلم

مش باسمي

بالاسم التاني

قال

أخيرًا

افتكرت

المراية اشتغلت لوحدها

وشوفت الطفولة

مشاعري

أفكاري

كلها

مش بتاعتي

قال

اللعنة مش إنك تموت

اللعنة إنك تفضل فاكر

إنك إنسان

قرب

مش بجسم

بذكرى

وقال

كل مرة حد بينطق الاسم

أنا بقرب

وأنت

كنت أقربهم

وقتها بس فهمت

إن المرضى

مش جايين يتعالجوا

كانوا جايين

يسلّموني

كتبت آخر سطر

وإيدي بتترعش

الاسم الحقيقي

مش بيتقال

الاسم الحقيقي

بيتورّث

وسمعت الصوت

ورا ودني

بيقول بهمس

دورك تسيبه لمين

من بعد الليلة دي

بطّلت أسمع الصوت

وده خوّفني أكتر

لأن الكيان لما يسكت

يبقى بيقرّب

ابتديت ألاحظ حاجات صغيرة

تفاصيل محدش ياخد باله منها

غير اللي مستني المصيبة

المرضى بقوا يدخلوا العيادة

ويبصوا لي

نفس البصّة

كأنهم عارفين حاجة

وأنا آخر واحد يعرف

طفل عنده سبع سنين

قعد قدامي

رجليه ما بتوصلش الأرض

قال

دكتور هو هيمشي امتى

قلت

مين

قال

اللي ساكن فيك

قفلت الملف

وقلت

إنت تعرف ايه عن الكلام ده

ضحك

ضحكة مش بتاعة طفل

وقال

مش لازم أعرف

هو اللي بيبص من ورا عيني

في المراية

شفت الحركة

مش صورتي

حركة وراها

كأن حد بيتعوّد على جسمي

رجعت البيت

لقيت صور قديمة

أنا مش فاكر إني اتصورتها

طفولتي

بس دايمًا في حد واقف بعيد

وشه مطموس

وفي صورة

كنت باصص للكاميرا

وعيني

مش بتاعتي

لقيت ورقة تحت الصورة

بخط طفولي

لو قريت ده

يبقى أنا سبتك خلاص

افتكرت الطفل

افتكرت الست

افتكرت الشاب

كلهم كانوا مرحلة

مش حالات

فهمت الحقيقة

مش في الاسم

ولا في النطق

اللعنة

بتعيش لما حد

يحاول يفهمها

وانا

فهمت زيادة

في آخر الليل

النور قطع

والشقة بقت ضلمة تقيلة

سمعت النفس

قريب

قوي

وقال

مش محتاجين نبدّل

إحنا خلاص واحد

وفي اللحظة دي

الموبايل نور

رسالة جديدة

من رقم مش متسجل

محتواها كلمة واحدة

باب

بصّيت على باب الشقة

وهو

ابتدى يتفتح

لوحده

وقتها عرفت

إن في حد جاي

مش عشان ينقذني

عشان يستلم

العدّ وقف

بس السكون

كان أسوأ

حسّيت بالأرض بتهتز

مش زلزال

نبض

نبض مش بتاعي

الحيطان اتحركت

مش وقعت

اتنيّت

كأن المكان نفسه بيهرب

سمعت صريخ

مش جاي من برا

جاي من ذكرياتي

كل موقف عدّى في حياتي

كان بيعيد نفسه

بس نهاية مختلفة

دايمًا أنا

اللي بخسر

جريت

مش عارف من إيه

ولا لفين

الممر فتح

باب

بابين

عشرة

وكل باب

ورا واحد

شبهّي

لابس حياتي

عايش مكاني

واحد منهم رفع راسه

وقال

مش مهم مين يفضل

المهم

مين يطلع

النور ضرب فجأة

ضربة واحدة

قوية

لقيت نفسي واقف

في الشارع

الناس ماشية

طبيعي

هدومي سليمة

نفسي هادي

قلت

خلصت

بس في انعكاس الإزاز

شفت الحركة

مش انعكاسي

حركة متأخرة نص ثانية

الموبايل اهتز

آخر رسالة

القصة ما خلصتش

هي بس خرجت

سمعت حد ينادي باسمي

من ورايا

الصوت

كان صوتي

لفّيت

والسطر

وقف هنا

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamedfarag0 تقييم 4.98 من 5. حقق

$0.34

هذا الإسبوع
المقالات

27

متابعهم

25

متابعهم

3

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.