انعكاس لا ينسى
الغرفه التى لم تكن فارغه
لم تكن سلمى تؤمن بالأوهام.
كانت تؤمن بالأرقام، بالمنطق، وبأن كل شيء له تفسير… إلى أن انتقلت إلى الشقة الجديدة.
الشقة كانت صغيرة، هادئة، ومثالية لشخص يعيش وحده.

الغرفة الأخيرة، في آخر الممر، كانت فارغة تمامًا
لا سرير، لا دولاب، لا حتى ستارة.
ومع ذلك، من أول ليلة، سلمى لم تستطع النوم.
لم يكن هناك صوت واضح…
مجرد إحساس.
إحساس أن هناك من ينتظر.
في الليلة الثالثة، بدأت تلاحظ أشياء صغيرة.
الكوب الذي تركته في المطبخ تغيّر مكانه.
الكرسي اقترب من الحائط أكثر مما تذكر.
أشياء تافهة… لكنها متكررة.
قالت لنفسها:
ضغط شغل. قلة نوم.
لكن المشكلة الحقيقية بدأت عندما سمعت خطوات.
ليست عالية…
ولا سريعة…
خطوات بطيئة، كأن صاحبها لا يريد أن يُسمَع.
كانت تأتي دائمًا من الغرفة الفارغة.
في البداية، تجاهلتها.
ثم بدأت تقفل باب الغرفة بالمفتاح.
لكن في كل صباح…
كانت تجد الباب مفتوحًا.
في إحدى الليالي، قررت أن تواجه خوفها.
وقفت أمام باب الغرفة، يدها على المقبض، قلبها يدق بقوة.
فتحت الباب.
الغرفة كانت كما هي… فارغة.
لكن على الحائط، رأت شيئًا جديدًا.
مرآة.
مرآة لم تكن هناك من قبل.
اقتربت منها بحذر.
انعكاسها كان طبيعيًا…
حتى ابتسم.
سلمى لم تبتسم.
تراجعت خطوة للخلف.
الانعكاس لم يفعل.
همست بصوت مرتجف:
“مين إنت؟”
انعكاسها حرّك شفتيه ببطء، وقال:
“أنا اللي فضل هنا… لما إنتِ مشيتي.”
أغلقت الباب وانهارت.
في الصباح، استيقظت على صوت طرق عنيف.
الشرطة.
الجيران اشتكوا من صراخ في الشقة…
صراخ امرأتين.
دخلوا الغرفة الفارغة.
لم يجدوا شيئًا…
إلا مرآة كبيرة.
وفيها…
كانت سلمى واقفة، تنظر إليهم، تضرب الزجاج وتصرخ:
“خرجوني… دي مش حياتي!”
لكن المرأة التي كانت واقفة خلفهم، بهدوء تام،
قالت:
“الغرفة أخيرًا فَضيت.”
ما بعد الفراغ
لم تتذكّر سلمى متى نامت.
كل ما تعرفه أنها فتحت عينيها على سقف أبيض، ورائحة مطهّر حادّة.
غرفة مستشفى.
قالوا لها إنهم وجدوها فاقدة للوعي، تردّد جملة واحدة فقط:
“دي مش حياتي.”
حاولت تشرح، لكن الكلمات خانتها.
كيف تحكي عن غرفة فارغة لا تبقى فارغة؟
عن مرآة تتذكّر أكثر مما يجب؟
أقنعوها أن ما حدث نوبة عصبية.
إجهاد.
وحدة.
عقل اخترع خوفًا… ثم صدّقه.
هي نفسها حاولت تصدّقهم.
(2)
بعد أسبوع، عادت إلى الشقة.
نفس الممر.
نفس الصمت.
الغرفة الأخيرة كانت… مغلقة.
الباب سليم.
لا مرآة.
لا أثر لشيء.
ارتاحت قليلًا.
ارتاحت أكثر مما ينبغي.
في تلك الليلة، نامت بلا كوابيس.
لكنها استيقظت قبل الفجر على إحساس مألوف.
ليس صوتًا…
بل وجود.
نهضت ببطء، وتوجّهت إلى الحمّام.
أشعلت النور.
المرآة كانت هناك.
ليس في الغرفة الأخيرة…
بل أمامها.
انعكاسها نظر إليها طويلًا.
لم يبتسم هذه المرة.
قال بهدوء:
“ما تخافيش… الدور عليكِ تفضلي.”
(3)
في الصباح، الجيران سمعوا صوت حركة عادية.
امرأة تُحضّر قهوتها.
تغلق بابها.
تخرج إلى عملها.
لم يسمعوا أي صراخ.
لكن داخل الشقة،
الغرفة الأخيرة لم تعد فارغة.
كانت فيها امرأة تجلس أمام مرآة،
تطرق الزجاج بهدوء،
وتهمس:
“هو لسه فاكر نفسه الحقيقي.”