صدى المرآة المكسورة

صدى المرآة المكسورة
لم يكن مازن يؤمن بالخرافات، كان يرى في قصص البيوت المسكونة مجرد مادة خصبة لجني المال من رواياته. لذلك، عندما وجد تلك الشقة الواسعة في البناية القديمة بوسط البلد بسعر بخس، لم يتردد لحظة واحدة. أثث غرفته ببساطة: مكتب خشبي، ومصباح دافئ، ومرآة طولية عتيقة ذات إطار برونزي متآكل، كانت متروكة في زاوية الشقة ولم يكلف نفسه عناء نقلها.
في الليلة الأولى، سار كل شيء على ما يرام. ساد الهدوء، وتدفقت الكلمات من أصابعه على لوحة المفاتيح بسلاسة. لكن مع حلول الليلة الثالثة، وبلوغ الساعة الثالثة فجراً، بدأ الهواء في الغرفة يزداد برودة بشكل مفاجئ. شعر مازن بقشعريرة تسري في عموده الفقري. التفت غريزياً نحو المرآة العتيقة.
في البداية، بدا كل شيء طبيعياً. انعكاسه يجلس على الكرسي، ممسكاً بكوب القهوة. لكن عندما خفض مازن يده ليضع الكوب على المكتب، تجمّع الدم في عروقه من الصدمة؛ الانعكاس في المرآة لم يخفض يده! ظل طيفه في المرآة محدقاً إليه، مبتسماً ابتسامة عريضة، غير طبيعية، امتدت حتى كادت تصل إلى أذنيه.
فرك مازن عينيه ظناً منه أن الإرهاق يخيّل له أشياء، لكن الابتسامة في المرآة اتسعت أكثر، وبدأ الانعكاس يتحرك بمفرده. نهض "المازن الآخر" من على كرسيه داخل عالم المرآة، واقترب من السطح الزجاجي حتى التمسك جبهته بالزجاج من الداخل. ساد الصمت، ثم دَوَى صوت همس خافت، لم يأتِ من أذنيه، بل نبت مباشرة داخل عقله: "شكراً لك على دعوتي.. لقد مللت الانتظار في الظلام".
حاول مازن الصراخ، لكن صوته انقطع في حنجرته. أراد الركض نحو الباب، لكن جسده كان مشلولاً تماماً بفعل الرعب. تقدم الانعكاس أكثر، وبدأت أصابعه "الزجاجية" تخترق سطح المرآة كأنه ماء سائل. بدأت المادة الفضية للمرآة تتدفق إلى الخارج، متخذةً شكلاً هلامياً مظلماً يبث برودة مميتة في الغرفة.
بجهد جهيد، استجمع مازن قوته وأمسك بالمصباح المعدني الثقيل من على مكتبه، وبكل ما أوتي من عزم، قذفه نحو المرآة.
تطايرت الشظايا في كل مكان بصوت أشبه بصرخة بشرية حادة. سقط مازن على الأرض، لاهثاً، والدماء تسيل من جرح صغير في جبهته بسبب شظية طائشة. نظر حوله؛ الغرفة عادت إلى طبيعتها، والقطع المكسورة من الزجاج تناثرت على السجادة. تنفس الصعداء ظناً منه أن الكابوس قد انتهى.
نهض ببطء وتوجه إلى الحمام لغسل وجهه. فتح الصنبور، وملأ يديه بالماء البارد، ثم رفع رأسه لينظر في مرآة الحمام الصغيرة.
تجمدت أنفاسه تماماً. لم يكن هناك أي انعكاس له. المرآة كانت تعكس الحائط الخلفي للحمام فقط، والشقة كانت فارغة تماماً. ساد صمت رهيب، قبل أن يسمع صوتاً مألوفاً جداً يضحك بسخرية من غرفة المكتب. التفت ببطء لينظر عبر الباب المفتوح، ليرى نفسه – أو ما يشبهه تماماً – واقفاً في وسط الغرفة، ينظر إلى يديه الحقيقيتين بإعجاب، ثم التفت نحو الحمام وقال بنبرة باردة: "الآن.. خذ أنت مكاني في الداخل".