ليلة الصفير الأخير
ليلة الصفير الأخير

لم تكن قرية “الريحانية” معروفة بشيء مميز، مجرد بيوت قديمة متلاصقة، وطرق ضيقة تغطيها الرمال، وصمت ثقيل يخيم على المكان بعد منتصف الليل. لكن في الأشهر الأخيرة، تغيّر كل شيء.
بدأ الأمر عندما اختفى رجل عجوز يُدعى “عم جابر”. قال البعض إنه هرب، وقال آخرون إنه مات في الصحراء، لكن زوجته أقسمت أنها سمعته يفتح الباب في الثالثة فجراً بعد صوت صفير طويل وبارد، ثم اختفى تماماً.
بعدها بأيام، اختفت فتاة صغيرة، ثم شاب يعمل في المخبز، ثم رجل شرطة. وكل مرة… نفس الصفير.
كان صوتاً غريباً، لا يشبه صفير البشر، حاداً لكنه منخفض، وكأنه يخرج من بئر عميق تحت الأرض.
“آدم”، شاب في العشرين من عمره، كان يرفض تصديق قصص الجن والأشباح التي يتحدث عنها أهل القرية. كان يرى أن وراء كل شيء تفسيراً منطقياً. لكن حين اختفى أخوه الأصغر “ياسين”، تغيّر كل شيء داخله.
في تلك الليلة، جلس آدم بجوار النافذة ممسكاً بمصباح قديم وسكين مطبخ صغير. كانت الساعة تقترب من الثالثة فجراً، والهواء البارد يتسلل من الشقوق كأن البيت يتنفس.
وفجأة…
سمعه.
صفير طويل… بطيء… جعل الدم يتجمد في عروقه.
وقف آدم فوراً، ورأى ظلًا يتحرك خارج البيت. لم يكن الظل لإنسان طبيعي؛ كان طويلاً بشكل مرعب، وذراعاه تكادان تلامسان الأرض.
فتح الباب بحذر، فوجد الشارع فارغاً… إلا من آثار أقدام سوداء على الرمال، وكأنها محترقة.
تبعها رغم خوفه.
قادته الآثار إلى أطراف القرية، حيث توجد بئر مهجورة يتجنبها الجميع. اقترب منها وهو يسمع همسات خافتة تخرج من الداخل.
ثم سمع صوت أخيه.
“آدم… ساعدني…”
تراجع بخوف، لكنه تشجع وأضاء المصباح داخل البئر.
في البداية لم ير شيئاً… ثم ظهرت عشرات الوجوه.
وجوه شاحبة، عيونها مفتوحة بشكل مخيف، وأفواهها مخيطة بخيوط سوداء.
سقط المصباح من يده عندما بدأت الوجوه تتحرك ببطء نحوه، وخرج ذلك الصفير مرة أخرى، لكن هذه المرة من داخل البئر نفسها.
ثم ظهر الكائن.
جسد طويل نحيف، جلده رمادي كجلد الموتى، ووجهه بلا ملامح سوى فم واسع مليء بأسنان حادة. كان يزحف على جدار البئر بطريقة مستحيلة، بينما يصدر الصفير من داخله.
حاول آدم الهرب، لكنه شعر بيد باردة تمسك قدمه.
نظر للأسفل…
كانت يد أخيه.
لكنها لم تكن طبيعية.
الأصابع طويلة جداً، والجلد أسود، والعينان بيضاوان تماماً.
قال ياسين بصوت متقطع: “هو لا يترك أحداً يسمع الصفير ويرحل…”
صرخ آدم بكل قوته، لكن الكائن قفز نحوه بسرعة مرعبة، وانطفأت الأنوار في القرية كلها في نفس اللحظة.
في صباح اليوم التالي، استيقظ أهل الريحانية على خبر اختفاء آدم.
ولأول مرة منذ شهور…
لم يسمع أحد الصفير.
لكن بعد أسبوع، سمع طفل صغير في آخر القرية صوتاً بارداً قادماً من بعيد…
صفير طويل… يقترب ببطء.