عمارة رشدي: حين يصبح المكان شاهدًا على ما لا يُروى (قصة حقيقة)

عمارة رشدي: حين يصبح المكان شاهدًا على ما لا يُروى (قصة حقيقة)
في قلب الإسكندرية تقف عمارة رشدي صامتة، لا تخيف بشكلها بل بما تحمله من حكايات. ليست مجرد مبنى مهجور، بل ذاكرة ثقيلة تهمس بأن بعض الأماكن لا تنسى من مرّوا بها أبدًا.
في قلب حي رشدي، أحد الأحياء الهادئة نسبيًا في مدينة الإسكندرية، وعلى مقربة مباشرة من شارع أبو قير الذي لا يتوقف عن الحركة، تقف عمارة رشدي كأنها كيان منفصل عن كل ما يحيط بها. ليس بسبب شكلها فقط، بل بسبب الإحساس الذي تتركه في النفس بمجرد النظر إليها. كأن المكان يحمل ثقلًا غير مرئي، أو تاريخًا لم يُروَ بالكامل، ومع ذلك لا يمكن تجاهله.
بدأت الحكايات حول العمارة منذ عقود، حين سكنها أول قاطنيها، ولم تمضِ فترة طويلة حتى بدأت الشكاوى تتكرر. أصوات خطوات تُسمع في أوقات متأخرة من الليل، رغم خلوّ الطوابق. طرقات خفيفة على الأبواب، وعندما يفتحها السكان لا يجدون أحدًا. بعضهم تحدث عن أصوات همسات غير مفهومة، وكأن هناك حديثًا يدور خلف الجدران دون وجود مصدر واضح له.
واحدة من أكثر القصص التي بقيت في الذاكرة، قصة عائلة قررت الانتقال إلى العمارة بحثًا عن سكن مريح في منطقة مميزة. في البداية، بدا كل شيء طبيعيًا، لكن خلال أيام قليلة، بدأ الأطفال يرفضون النوم في غرفهم، مؤكدين أنهم يرون أشخاصًا يقفون في الزوايا أو يتحركون في الظلام. تجاهل الأهل الأمر في البداية، لكنهم لم يستطيعوا الاستمرار في ذلك طويلًا، خاصة بعد أن بدأت الأبواب تُفتح وحدها، وسُمع صوت خطوات داخل الشقة نفسها دون وجود أحد. خلال أقل من أسبوع، غادرت العائلة المكان بشكل مفاجئ، تاركة خلفها الكثير من متعلقاتها، وكأنها لم تكن تخطط للرحيل بل اضطرت إليه.
لم تتوقف الروايات عند هذه القصة، بل تكررت حوادث مشابهة مع سكان آخرين. البعض اشتكى من شعور دائم بالاختناق والقلق داخل الشقق، وآخرون أكدوا أنهم رأوا ظلالًا تتحرك بسرعة في أطراف رؤيتهم. وقيل أيضًا إن هناك حالات وفاة حدثت داخل المبنى في ظروف غير واضحة، ما أضاف مزيدًا من الغموض، وجعل العمارة محطّ خوف حقيقي للكثيرين.
ومع مرور الوقت، لم تعد عمارة رشدي مجرد مكان للسكن، بل أصبحت رمزًا. رمزًا لفكرة أن بعض الأماكن تحتفظ بما مرّ بها، وأن الذكريات لا تختفي دائمًا، بل قد تبقى حاضرة بشكل لا يمكن تفسيره. هناك من يرفض هذه القصص تمامًا، ويعتبرها مبالغات أو نتاج خيال شعبي، لكن في المقابل، هناك من يمر بجانب العمارة ولا يستطيع تجاهل الشعور الغريب الذي تتركه.
اليوم، لا تزال العمارة قائمة في مكانها، لا تُهدم ولا تُنسى، وكأنها ترفض أن تتحول إلى مجرد مبنى عادي. ربما لن يعرف أحد الحقيقة كاملة، وربما ستظل مجرد قصة تُروى، لكن المؤكد أن عمارة رشدي نجحت في شيء واحد… أن تجعل كل من يسمع عنها يتساءل: ماذا لو كانت هذه الحكايات حقيقية؟