صدى الأنفاس المنسية
صدى الأنفاس المنسية
لم يكن يوسف يعتقد أبدًا أن جدران القبو القديم في "بيت القاضي" المهجور يمكن أن تهمس، لكن في تمام الساعة الثالثة فجرًا، وفي عتمة ذلك المكان المنسي، بدأ المنطق الذي تسلح به طوال حياته العقلانية يتآكل ببطء شديد، مثل الخشب الذي تنخره السوس. كان يوسف، مهندس الترميم المشهور بدقته، مكلفًا بوضع مخطط تفصيلي لترميم القبو، الذي أُغلق بأوامر صارمة من السلطات لأكثر من مائة عام بسبب حوادث غامضة لم تُفسر قط. وبمجرد أن كسر القفل الصدئ الضخم بصعوبة، اندفعت من الداخل رائحة غبار قديم مختلطة بشيء آخر كريه، شيء يشبه رائحة اللحم المحترق والعفن العتيق.
أمسك كشافه الضوئي بقبضة مرتجفة قليلاً، وبدأ في مسح المكان ببطء. كانت الغرفة ضيقة، جدرانها مغطاة بطبقة سميكة من الرطوبة السوداء، وتتوسطها طاولة خشبية متهالكة كاد الزمن أن يأكل أطرافها. عليها، كانت تقبع مرآة ضخمة ذات إطار برونزي مزخرف بنقوش غريبة لرموز لم يرها يوسف في أي كتاب آثار من قبل، وكانت المرآة مغطاة بثوب أسود ثقيل ومهترئ. في الزاوية البعيدة، لاحظ يوسف شيئًا غريبًا جدًا: كانت هناك ظلال تتراقص وتتحرك على الحائط، رغم ثبات مصدر الضوء في يده تمامًا. حاول تجاهل الأمر، معتبرًا إياه نتاجًا طبيعيًا لتعب جسده وأرقه المزمن، ولربما هلاوس خفيفة بدأت تداعب عقله المتعب.
بدأ يوسف في قياس أبعاد الغرفة بدقة، مسجلاً الأرقام في دفتره الصغير، لكنه لاحظ شيئًا مقلقًا؛ صدى خطواته على الأرضية الحجرية كان يتأخر لثانية واحدة كاملة. كلما خطا خطوة بريله اليمنى، سمع "وقع" قدم أخرى ثقيلة خلفه تمامًا بعد توقف قدمه هو. توقف فجأة عن الحركة، حابسًا أنفاسه. ساد صمت مطبق ومخيف لعدة ثوانٍ، ثم، وبوضوح تام، سمع صوت شهيق عميق، طويل ومكتوم، صدر خلف أذنه اليمنى مباشرة، لدرجة أنه شعر بهواء بارد يلامس رقبته. التفت بسرعة هائلة، مسلطًا ضوء الكشاف على الفراغ خلفه، لكن لم يكن هناك أحد. كان القبو فارغًا تمامًا، باستثناء الغبار الساكن.
اندفع الفضول القاتل في عروقه، ممزوجًا بخوف فطري بدأ يتسلل إلى أعماقه، فتوجه بخطوات حذرة نحو المرآة المغطاة. وببحركة سريعة وحاسمة، نزع الثوب الأسود الثقيل عنها. لم يرَ وجهه في البداية؛ كان السطح الزجاجي معتمًا وكأنه بئر بلا قاع. ولكن تدريجيًا، بدأت الصورة تتضح. لم تكن المرآة تعكس الواقع بدقة؛ كانت تعكس الغرفة ذاتها ولكنها كانت تبدو "حية" في الانعكاس. كانت الشموع مشتعلة على الطاولة في الانعكاس وتتراقص ألسنتها، وكان هناك شخص يجلس بهدوء على الطاولة التي يقف يوسف أمامها الآن في الواقع.
ببطء شديد، بدأ انعكاس يوسف في المرآة يتغير. لم يكن يقلد حركاته المجمدة. بينما كان يوسف الحقيقي متجمدًا في مكانه من الرعب، وعيناه متسعتان، كان "يوسف الذي في المرآة" يبتسم ابتسامة عريضة، غير بشرية، تمتد من الأذن إلى الأذن، وبدأ يرفع يده ببطء ليلمس سطح الزجاج البارد من الداخل، وكأنه يتحسسه. شعر يوسف ببرودة شديدة تخترق صدره وتصل لعظامه، وفجأة، وبدون أي مقدمات، انطفأ كشافه الضوئي تمامًا، غارقًا المكان في ظلام دامس.
في هذا الظلام المطبق، لم يعد يوسف يسمع سوى دقات قلبه المتسارعة التي كادت تخترق ضلوعه، ثم بدأ يسمع، بوضوح مرعب، صوت خربشة أظافر حادة على الزجاج من الداخل. "افتح لي.. أنت من أيقظتني من نومي الطويل،" همس صوت أجش، مكسور، يشبه حفيف الشجر اليابس في ريح عاصفة. حاول يوسف الركض، متخبطًا في الظلام نحو السلم، لكنه شعر بيد باردة كالثلج، خشنة وقوية، تمسك بكاحله بقوة مفرطة وتثبته في مكانه. سقط على الأرض بقوة، وبينما كان يحاول الزحف يائسًا نحو المخرج، أضاء وميض برق مفاجئ وعنيف من نافذة القبو الصغيرة المرتفعة، ليرى في ذلك الجزء من الثانية وجهه هو.. نسخة مشوهة، شاحبة، ومرعبة منه، تزحف خارجة ببطء من إطار المرآة المحطمة، وعيناها فارغتان تمامًا من أي ضياء أو حياة، فمه مفتوح بصراخ صامت.
عندما دخل العمال والشرطة في الصباح التالي، بعد أن أبلغ الجيران عن أصوات غريبة، وجدوا باب القبو مفتوحًا على مصراعيه والمرآة البرونزية محطمة إلى آلاف القطع الصغيرة المتناثرة في كل مكان. لم يجدوا أثرًا ليوسف، مهما بحثوا. لكنهم وجدوا مهندسًا جديدًا، يشبه يوسف تمامًا، ينتظرهم عند بوابة البيت المهجور، يرتدي ملابس يوسف ذاتها، ويحمل أدواته بدقة، ويبتسم لهم ابتسامة هادئة ومطمئنة.. لكن هذا المهندس كان يتجنب النظر إلى أي سطح عاكس، وكان صدى خطواته على الرصيف يسبق قدميه بلحظة واحدة واضحة.