أرشيف الأصوات الميتة

أرشيف الأصوات الميتة
لم يكن مازن يؤمن بالأشباح، لكنه كان يؤمن بأن بعض الأماكن تحفظ ما يحدث داخلها كما تحفظ الجدران رائحة الدخان. لذلك قبل العمل في أرشيف إذاعة قديمة، حيث تُرمم الأشرطة المنسية وتُحوّل إلى ملفات رقمية. في أول ليلة وحده، وجد صندوقًا بلا بطاقة، وداخله شريط كاسيت أسود وورقة قصيرة: لا تشغله بعد منتصف الليل.
ابتسم بسخرية، فالتحذيرات الغامضة لا تخيف من يعيش على راتب متأخر وفواتير كثيرة. وعند الثانية عشرة تمامًا، أدخل الشريط في الجهاز. بدأ التشويش مثل مطر بعيد، ثم ظهر صوت امرأة تقول: سجّل اسمه قبل أن يسمعك.
تجمّد مازن. لم يكن في الغرفة أحد. أعاد المقطع، فسمع الجملة نفسها، لكن بعدها جاء صوت يعرفه أكثر من أي صوت: صوت أبيه المتوفى. قال الأب بهدوء: يا مازن، لا ترد على من يناديك من التسجيل.
خلع السماعات، لكن الصوت خرج من مكبرات الحاسوب. قال صوت آخر، يشبه مازن تمامًا: أنا هنا لأنك نسيتني. ظهرت على الشاشة موجة صوتية تتحرك كنبض قلب، ثم تحول اسم الملف إلى: مازن_النسخة_الأولى.
حاول إغلاق الجهاز، فلم يستجب. فصل الكهرباء، فبقيت الشاشة مضيئة. في الانعكاس الأسود على الزجاج، رأى وجهه واقفًا خلفه، لكنه كان يبتسم قبل أن يبتسم مازن. قال الانعكاس: الصوت أسهل من الجسد. إذا امتلكت صوتك، صدقني الناس.
هنا فهم أن الخوف الحقيقي ليس في رؤية شبح، بل في أن يصبح الإنسان قابلًا للنسخ. نحن نترك أصواتنا في الرسائل، المقاطع، المكالمات، والذاكرة، ونظنها آثارًا بريئة، لكنها قد تتحول إلى أبواب مفتوحة لمن يعرف كيف يقلدنا. كان الشريط يجمع بقايا البشر: ضحكة قديمة، اعتذارًا لم يكتمل، كلمة وداع، ونبرة أم تنادي ابنها آخر مرة. لم يكن أرشيفًا، بل مقبرة أصوات تبحث عن جسد جديد.
فهم مازن أن الشريط لا يريد قتله؛ يريد أن يستبدله. ينسخ نبرته، ذكرياته، خوفه، وحتى صمته. ركض نحو الباب، لكنه سمع هاتفه يرن. كان المدير. رد الهاتف وحده بصوت مازن: أعتذر، سأتأخر قليلًا غدًا.
صرخ مازن، لكن صوته لم يخرج. صار فمه يتحرك بلا أثر، كأن العالم ألغى توقيعه الصوتي. وفي الصباح، دخل الموظفون فوجدوا مازن جالسًا أمام الجهاز، مبتسمًا، هادئًا، يتحدث بطريقة طبيعية جدًا. لم يلاحظ أحد أن عينيه لا ترفان.
ومنذ تلك الليلة صار الأرشيف أكثر هدوءًا، لكن الهدوء لم يكن سلامًا. كان كل جهاز تسجيل يحتفظ بضوء صغير، وكل ملف جديد يبدأ بثانية صمت طويلة، كأن شيئًا في الداخل يأخذ نفسًا قبل أن يتكلم باسم صاحبه. ثم يطلب منه الاقتراب أكثر، بلا أي شهود.
بعد أسبوع، استلم موظف جديد صندوقًا بلا بطاقة، وورقة تقول: لا تشغله بعد منتصف الليل. لكنه كان فضوليًا بما يكفي ليضغط زر التشغيل.