صدى المرآة العمياء

صدى المرآة العمياء

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about صدى المرآة العمياء

صدى المرآة العمياء

كان إدريس رجلاً يعيش بين طيات الزمن، يرى في التحف القديمة أرواحاً لم ترحل تماماً. لكنه لم يدرك أن بعض الأرواح من الأفضل أن تظل مسجونة خلف غبار النسيان. في زاوية معتمة من متجر خردوات يفوح منه صدأ السنين، وقعت عيناه على مرآة ضخمة، يحيط بها إطار من خشب الأبنوس الأسود، نُحتت عليه وجوه بشرية بملامح مشوهة وكأنها تصرخ في صمت أبدي. اشتراها بزهيد الثمن، بينما كان البائع العجوز يرتجف وهو يضعها في الصندوق، هامساً بكلمات لم يفهمها إدريس حينها: "احذر من الفراغ الذي ينمو بين عينيك وعين الانعكاس".

عندما استقرت المرآة في غرفة نومه، منحت المكان هيبة مرعبة. في الليلة الأولى، بدأت البرودة تتسرب من سطح الزجاج لتغلف أرجاء الغرفة. وقف إدريس أمامها ليفك ربطة عنقه، وفجأة، تجمدت الدماء في عروقه. لاحظ أن انعكاسه في المرآة لم يتحرك فوراً؛ كان هناك تأخير يقدر بجزء من الثانية، كأن النسخة التي في الداخل كانت تدرس ملامحه، وتتعلم كيف تحاكي لغة جسده بدقة متناهية.

مرت الأيام، وأصبح "الآخر" خلف الزجاج أكثر جرأة وخبثاً. بدأ إدريس يلاحظ تفاصيل لا تخطئها العين؛ يرى انعكاسه يبتسم ببرود بينما هو غارق في الحزن، أو يراه يرمش بعينيه في وقت لم يرمش فيه هو. وفي إحدى الليالي، استيقظ إدريس ليجد نفسه عاجزاً عن الحراك، وكأن ثقلاً من الرصاص قد جثم على صدره. نظر باتجاه المرآة التي كانت تلمع تحت ضوء القمر الباهت، ورأى شيئاً حطم ما تبقى من عقلانيته.

لقد كان الانعكاس يخرج يده ببطء من سطح الزجاج السائل! لم تكن يداً بشرية طبيعية، بل كانت شاحبة كجلد الموتى، وأظافرها حادة وطويلة. مد الكيان يده ليمسك بحافة الإطار الخشبي، وبدأ يسحب جسده المشوه إلى عالمنا الواقعي. وبصوت يشبه حفيف الورق المحترق، همس الكيان: "لقد بقيتُ في الظل لقرون.. الآن سآخذ مكانك تحت الشمس، وستبقى أنت هنا، سجين الصمت والجليد".

حاول إدريس الصراخ، لكن صوته كان يتلاشى ويُمتص داخل فجوة المرآة. شعر بجسده يبهت ويتحول إلى طيف رمادي، بينما بدأ الكيان يكتسب ألواناً دافئة وحياة نابضة. وفي لحظة خاطفة من الألم النفسي والجسدي، تبدلت الأماكن. وجد إدريس نفسه فجأة في غرفة باردة جداً، خالية من الهواء، يرى غرفته الحقيقية من خلف حاجز زجاجي صلب.

رأى الكيان الذي يرتدي الآن ملامحه بدقة مرعبة، وهو يرتدي ملابسه، ويمشط شعره بزهو، ثم يبتسم لإدريس السجين بداخل المرآة ابتسامة نصر صفراء. بكل برود، قام الكيان بسحب قطعة قماش سوداء سميكة وغطى بها المرآة تماماً، ليغرق إدريس في ظلام دامس لا نهاية له، حيث لا يوجد صوت، ولا مخرج، فقط صدى لصرخات لن يسمعها بشر أبداً. 

ارجوا ان تكون قصتي قد اعجبتكم كان معكم محم والسلا عليكم ورحمه الله

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
ahmed mohamed تقييم 5 من 5.
المقالات

5

متابعهم

9

متابعهم

6

مقالات مشابة
-