صدى الصمت في زقاق الذاكرة

صدى الصمت في زقاق الذاكرة
في زاوية منسية من حارة "الطيبين"، حيث تفوح رائحة القهوة الممزوجة بعبق الخشب القديم، كان يقع دكان "أمين". لم يكن مجرد محل لتصليح الساعات، بل كان متحفاً للزمن. جدرانه مغطاة بمئات الساعات التي تدق في سيمفونية غير متناغمة، وكأن كل ساعة تحكي قصة صاحبها الذي رحل وترك أثره خلفه.
كان أمين رجلاً في السبعين من عمره، بنظارات سميكة ويدين مرتعشتين قليلاً لكنهما تكتسبان ثبات الجراح بمجرد ملامسة "البرغي" الدقيق. في أحد مساءات الخريف الباردة، وبينما كان يهم بإغلاق محله، دخل شاب غريب يرتدي معطفاً طويلاً. وضع الشاب علبة مخملية سوداء على الطاولة، وقال بصوت خافت:
"قيل لي إنك الوحيد الذي يستطيع إحياء الوقت في هذه الآلة."
فتح أمين العلبة ليجد ساعة جيب ذهبية، منقوشاً عليها زهرة لوتس غريبة. لكن العجيب لم يكن في جمالها، بل في سكونها المطبق. عقرب الثواني لم يكن يتأرجح، بل كان متوقفاً عند اللحظة التي تسبق منتصف الليل بثوانٍ قليلة.
رحلة البحث عن “النبض”
بدأ أمين العمل. فكك الساعة قطعة قطعة، ونثر تروسها على طاولته المضاءة بمصباح أصفر شاحب. قضى الليلة الأولى يبحث عن كسر في الزنبرك أو صدأ في العجلات، لكنه لم يجد شيئاً. كانت الساعة من الداخل تبدو مثالية، ومع ذلك، رفضت أن تنبض.
في الليلة الثالثة، وبينما كان يحدق في عدسته المكبرة، لاحظ نقشاً مجهرياً داخل غطاء الساعة الداخلي: “الوقت لا يمر لمن ينتظر النهاية، بل لمن يعيش البداية.”
توقف أمين عن العمل. تذكر حينها زوجته "سارة" التي رحلت قبل عقد من الزمان. تذكر كيف توقف زمنه هو الآخر في تلك اللحظة. أدرك أن الساعة ليست معطلة ميكانيكياً، بل هي "مسكونة" بمشاعر صاحبها. كان الشاب الذي أحضرها يبدو حزيناً، وكأنه يحمل ثقل العالم على كتفيه.
المواجهة
عاد الشاب بعد أسبوع. نظر إلى الساعة المفككة على الطاولة وسأل بيأس: “هل فشلت يا حاج أمين؟”
رفع أمين رأسه وقال بهدوء: “الساعة تعمل يا بني، لكنك أنت المتوقف. هذه الساعة تعكس نبض قلب صاحبها. أخبرني، ماذا حدث في اللحظة التي سبقت منتصف الليل؟”
ارتبك الشاب، ثم بدأت دموعه تنهمر. اعترف بأنه كان على وشك السفر لترك عائلته بسبب خلاف تافه، وفي تلك اللحظة، توقفت ساعة والده الراحل في يده. شعر بضيق في صدره وكأن الزمن يمنعه من الخطأ.
ابتسم أمين، وبدأ يعيد تركيب الساعة أمام عيني الشاب. كان يهمس بكلمات عن الصفح والفرص الضائعة. ومع وضع آخر قطعة، "الترس القائد"، وضغط الزنبرك، حدثت المعجزة.
عودة الحياة
"تيك.. تاك.. تيك.. تاك.."
انطلق عقرب الثواني يركض وكأنه كان سجيناً وتحرر. لم يكن صوته عادياً، بل كان رزيناً وواضحاً، ملأ أرجاء الدكان الصامت.
اتسعت عينا الشاب، وشعر فجأة برغبة عارمة في العودة إلى منزله. شكر أمين بحرارة وحاول إعطاءه مبلغاً كبيراً من المال، لكن أمين رفض قائلاً:
"أجرتي هي سماع هذا النبض مرة أخرى. اذهب، ولا تجعل عقارب حياتك تتوقف عند لحظة غضب."
خرج الشاب مسرعاً، وبقي أمين وحده في الدكان. نظر إلى ساعته المعلقة على الحائط، ولأول مرة منذ سنوات، لم يشعر بالوحدة. أدرك أن مهنته ليست إصلاح الآلات، بل هي تذكير الناس بأن الزمن أغلى من أن يضيع في الانتظار أو الندم.
أغلق أمين أنوار دكانه، وخرج إلى الزقاق المظلم، وهو يشعر بقلبه ينبض بانتظام، تماماً كعقارب تلك الساعة الذهبية التي عادت للحياة.