ليلة في قصر "البارون المهجور"

ليلة في قصر "البارون المهجور"

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about ليلة في قصر

ليلة في قصر “البارون المهجور”

كان الصمت في بلدة "وادي الظلال" ثقيلاً ككفن قديم، لكن القصر القابع فوق التلة كان يملك صمتاً من نوع آخر؛ صمتٌ يهمس. وقف آدم أمام البوابة الحديدية الصدئة، يحمل كاميرته وكشافاً ضوئياً، والفضول ينهش عقله. يقال إن عائلة "البارون" اختفت هنا في ليلة شتوية عام 1920، ولم يُعثر لهم على أثر، سوى موائد طعام متروكة وكأنهم نهضوا فجأة وتبخروا في الهواء.

​عندما دفع الباب الرئيسي، أصدر صريراً حاداً اخترق سكون الليل. كانت الرائحة داخل القصر مزيجاً من العفن والغبار و... عطر ورد قديم؟ تجاهل آدم القشعريرة التي سرت في جسده وبدأ بالالتقاط الصور. من خلال عدسة الكاميرا، بدا كل شيء أكثر ووضوحاً، وأكثر رعباً.

​في الطابق الثاني، وصل آدم إلى غرفة المعيشة الكبرى. كانت المرايا المغطاة بالتراب تعكس ضوء كشافه بشكل مشوه. فجأة، سمع صوت "تكة" خفيفة. تجمد في مكانه. كان الصوت قادماً من آلة جرامافون قديمة في زاوية الغرفة. بدأت الأسطوانة بالدوران ببطء شديد، وخرج منها لحن بيانو مشروخ ومشوّش.

​"لا بد أنه خلل في التروس.. مجرد رياح،" همس آدم لنفسه بصوت يرتجف.

​لكن الرياح لا تختار الألحان. رفع آدم كاميرته ليلتقط صورة للجرامافون، وعندما ضغط على زر الفلاش، أضاء النور القوي الغرفة لثانية واحدة. في تلك الثانية، رأى من خلال الشاشة شيئاً لم تره عيناه المجردتان: امرأة ترتدي فستاناً أسود طويلاً تقف خلفه تماماً، ويدها الشاحبة تمتد نحو كتفه.

​سقطت الكاميرا من يده وتحطمت. ساد الظلام الدامس إلا من ضوء كشافه المتذبذب. بدأ يركض نحو السلم، لكن الممر بدا وكأنه يطول بشكل غير طبيعي. كانت اللوحات الزيتية على الجدران تراقبه، وعيون الشخصيات المرسومة تتحرك لتتبعه. سمع الآن أصوات هامسة تملأ المكان، لغات غير مفهومة، وبكاء طفل مكتوم يأتي من خلف الجدران.

​وصل إلى الردهة السفلى، لكن الباب الذي دخل منه كان قد اختفى. مكانه كان هناك جدار صلب من الحجر البارد. التفت حوله بذعر، ليجد أن القصر لم يعد مهجوراً. كانت الموائد مغطاة بأطباق ذهبية، والشموع مشتعلة بنور أزرق شاحب، وشخصيات ضبابية تجلس بصمت مطبق.

​التفتت الرؤوس جميعاً نحوه في لحظة واحدة. كانت وجوههم بلا ملامح، مجرد فراغات سوداء حيث يجب أن تكون العيون والأفواه. تقدمت السيدة ذات الفستان الأسود من بينهم، وقالت بصوت يشبه حفيف أوراق الشجر الجافة:

“لقد تأخرت كثيراً على العشاء يا آدم.. الضيوف لا يغادرون أبداً قبل التحلية.”

​في الصباح التالي، وجد سكان البلدة بوابة القصر مفتوحة. لم يجدوا أثراً لآدم، لكنهم عثروا على كاميرته المحطمة. عندما قام أحد الهواة بإصلاح بطاقة الذاكرة، وجد صورة واحدة أخيرة: كانت صورة لآدم وهو يجلس على مائدة الطعام، وجهه شاحب كالموت، وعيناه فارغتان تماماً، بينما تقف خلفه يد شاحبة تربت على كتفه بودٍّ مرعب.

​منذ ذلك اليوم، يقول العابرون إنهم يسمعون صوت التقاط صور "فلاش" يخرج من نوافذ القصر المظلمة، وكأن آدم ما زال يحاول توثيق ليلته التي لن تنتهي.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمود عدلي تقييم 5 من 5.
المقالات

8

متابعهم

3

متابعهم

0

مقالات مشابة
-