حكايه المغاوري التربي

حكايه المغاوري التربي
الفصل الاول
المقابر فيها عالم تاني، عالم محدش يعرف عنه غير اللي عاش فيه وشاف بعنيه اللي محدش يصدقه. وأنا واحد من الناس دي. اسمي مغاوري التربي، واشتغلت في دفن الموتى من أكتر من أربعين سنة. ورثت الشغلانة عن أبويا لما تعب ومبقاش قادر ينزل المدافن، وكان لازم وأنا عندي خمسة عشر سنة أتحمل المسؤولية مكانه. وقتها كنت بكره الشغلانة دي، لكن مع الوقت اتعودت عليها، وبعد سنين طويلة بقيت أحبها، لأن الميت عمره ما هيكدب عليك أو يخونك، الميت سايب الدنيا بكل شرورها ومرتاح في صمت أبدي.أنا ساكن جوه المقابر، في حوش وسط المدافن، ودي حاجة ناس كتير تستغربها، لكن الحقيقة إن الراحة اللي بلاقيها هنا عمرها ما كانت موجودة في أي بيت أو عمارة. المقابر فيها هدوء غريب، لكنه ساعات بيتحول لرعب ملوش تفسير.أول مرة دفنت فيها ميت بإيدي كانت لطفل صغير مات مخنوق جوه شنطة عربية. أبويا كان دايمًا يقولي: “أوعى تبص في وش الميت.” لكن الفضول غلبني، وكشفت الكفن عن وش الطفل. كان وشه متحلل بشكل مخيف، ومن اللحظة دي حياتي اتغيرت.في نفس الليلة بدأت أسمع صوت طفل بينادي باسمي وسط المدافن“يا مغاوري…”
الصوت كان واضح، كأنه واقف جنبي. حاولت أتجاهله، لكن لما نمت شفت نفس الطفل واقف قدامي بالكفن، جسمه متحلل والدود ماشي على وشه. قرب مني وهو بيقولي:
“نديت عليك… ليه مردتش؟”
ماكنتش قادر أتحرك أو أصرخ، كنت كأني مشلول. وفجأة صحيت من النوم مرعوب… لكن الصدمة إن الأرض حواليا كان عليها دود حقيقي.من يومها فهمت إن المقابر مش مجرد مكان للدفن. كل قبر وراه حكاية، وكل روح ماتت بطريقة بشعة ممكن تسيب أثرها. شفت مدافن المجهولين، وسمعت خبط على أبواب القبور في نص
الليل، وشفت ناس دمرهم السحر والأعمال المدفونة مع الموتى.وكانت أخطر حكاية في حياتي عن “أم صباح”، الست اللي كانت بتشتغل بالسحر والأعمال. كانت تدفن أعمال جوه أكفان الموتى علشان تأذي الناس. وفي يوم اتحرق البيت اللي ساكنة فيه وماتت هي وبنتها، لكن الرعب الحقيقي بدأ بعد موتها. الناس بقوا يسمعوا صوتها بينادي عليهم بالليل، وبعضهم شافها بعنيه. واللي سكنوا
الحوش بعدها عاشوا كوابيس خلتهم يهربوا منه للأبد.وفي المقابر شجرة قديمة اسمها “الشجرة المشؤومة”، الناس بتقول إن الجن ساكن فيها من سنين طويلة. أي حد يقرب منها أو يستهين بحكاياتها يحصل له مصيبة. وده اللي حصل للأسطى خليل السواق، اللي كانت عربيته كل يوم ترجع لوحدها تحت الشجرة، لحد ما انتهى بيه الحال يحرق عربيته… وبعدها حرق نفسه بنفس الطريقة.دي مجرد بداية الحكايات اللي شوفتها في عالم المقابر… عالم مليان أسرار، وأحيانًا بيكون الأحياء فيه أخطر من الأموات.