همسات من خلف الباب الأسود

همسات من خلف الباب الأسود
لم يكن ياسين يؤمن بالقصص التي يتداولها أهل القرية عن المنزل المهجور الواقع أعلى التل. كان يظن أن الناس يبالغون دائمًا في حكاياتهم، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأماكن القديمة والظلام. لذلك، عندما حصل على المنزل بثمن زهيد، لم يتردد لحظة في شرائه. كان يعتقد أنه وجد فرصة مثالية للابتعاد عن صخب المدينة والعيش في هدوء.
لكن الهدوء لم يكن يسكن ذلك المنزل.
في الليلة الأولى، وبينما كانت الرياح تعصف بالخارج، سمع ياسين صوت طرق خفيف يأتي من الطابق العلوي. ظن في البداية أن الأمر مجرد صوت أخشاب قديمة تتحرك بسبب الهواء. تجاهل الأمر وحاول النوم، لكن الطرق تكرر مرة أخرى… ثم تحول إلى خطوات بطيئة تسير فوق رأسه مباشرة.
تجمد جسده.
رفع عينيه نحو السقف، وبدأت أنفاسه تتسارع. لم يكن هناك أحد غيره داخل المنزل… على الأقل هذا ما كان يظنه.
حاول إقناع نفسه بأن خوفه مجرد أوهام، فأمسك بمصباحه وصعد الدرج الخشبي الذي كان يصدر صريرًا مزعجًا مع كل خطوة. كلما اقترب من الطابق العلوي، ازدادت برودة المكان بشكل مخيف، وكأن الهواء نفسه تحول إلى جليد.
وصل إلى الممر الطويل، فوجد بابًا أسود في نهايته. كان مختلفًا عن بقية الأبواب، أقدم وأكثر ظلمة، وكأن السواد مطلي فوقه منذ مئات السنين. اقترب ببطء، ثم لاحظ شيئًا غريبًا… الباب يتحرك قليلًا وكأن أحدًا يقف خلفه.
تراجع مذعورًا.
وفجأة، سمع همسة منخفضة خرجت من الداخل:
“لا تفتح الباب…”
اتسعت عيناه من الرعب، لكنه لم يستطع الحركة. كانت الهمسات تزداد تدريجيًا، تتحول إلى أصوات متعددة، رجال ونساء وأطفال يتحدثون معًا بطريقة مشوشة. ثم بدأ الباب يهتز بعنف، وكأن شيئًا في الداخل يحاول الخروج.
هرب ياسين نحو الدرج، لكنه توقف عندما لمح ظلًا يقف أسفل السلم.
امرأة طويلة بشعر أسود يغطي وجهها بالكامل.
كانت ساكنة تمامًا.
ثم رفعت رأسها ببطء.
ظهرت ابتسامة مرعبة امتدت بشكل غير طبيعي فوق وجهها الشاحب، وقالت بصوت مبحوح:
“لقد فتحته من قبل… والآن جاء دورك.”
صرخ ياسين واندفع نحو الباب الرئيسي، لكنه اكتشف أن المنزل تغير بالكامل. الممرات أصبحت أطول، والجدران بدأت تصدر أصوات أنين خافت، وكأن البيت حي ويتنفس حوله. كانت الصور المعلقة على الجدران تتحرك أعينها لمتابعته، بينما بدأت الأرضية تهتز تحت قدميه.
ثم انطفأت جميع الأضواء.
حل الظلام الكامل.
وسط السكون، سمع صوت خطوات ثقيلة تقترب منه ببطء. خطوة… ثم أخرى… ثم صوت سحب حاد يشبه احتكاك السكاكين بالأرض.
حاول تشغيل مصباحه بيد مرتعشة، وعندما أضاء أخيرًا، رأى شيئًا جعله يفقد القدرة على التنفس.
كانت هناك عشرات الوجوه تخرج من الجدران، وجوه شاحبة بعيون سوداء فارغة، تهمس باسمه بصوت واحد:
“ابقَ معنا…”
سقط المصباح من يده، وانطفأ الضوء مجددًا.
وفي صباح اليوم التالي، وجد أهل القرية باب المنزل مفتوحًا، لكن ياسين اختفى تمامًا… ولم يعثروا سوى على كلمات محفورة فوق الباب الأسود:
“المنزل لا يترك أحدًا يهرب.”