البئر التي لم تُغلق أبدًا
البئر التي لم تُغلق أبدًا
بعض الأماكن لا تنسى ما حاول البشر دفنه
في القرى الجنوبية القديمة، كان الناس يقولون إن الآبار المهجورة لا يجب أن تُغلق بالكامل. كانوا يؤمنون أن الظلام يحتاج منفذًا صغيرًا كي يتنفس. لم أفهم تلك الجملة يومًا، لكنني كنت ألاحظ دائمًا أن جدي يتجنب النظر في عيوننا كلما قالها، وكأنه يتذكر شيئًا لا يريد أن يعود.

لم يكن أحد في قرية “الحمراء” يتحدث عن السحر بشكل مباشر. كانوا يستخدمون كلمات أخف. بلاء. لعنة. قضاء ثقيل. لكن الجميع هناك كان يخفي خوفًا قديمًا تحت ملامحه العادية.
في النهار، تبدو القرية هادئة بشكل ممل تقريبًا. طرق ترابية، جدران متشققة، رائحة دخان الحطب، وأطفال يركضون قرب الحقول اليابسة. لكن مع غروب الشمس، يتغير كل شيء بصمت غريب. الأبواب تُغلق مبكرًا، والنوافذ تُغطى بستائر سميكة، والناس يتجنبون السير وحدهم، خصوصًا قرب الأراضي القديمة خلف المقبرة.
عدتُ إلى القرية بعد وفاة أمي بثلاثة أيام.
حتى الآن، لا أستطيع وصف الطريقة التي ماتت بها بشكل طبيعي. الأطباء تحدثوا عن فشل حاد في الجسد، لكنهم لم يجدوا مرضًا واضحًا. كانت عروق رقبتها تتحول تدريجيًا إلى لون أسود مزرق، وكأن شيئًا يتحرك تحت الجلد ببطء.
قبل موتها بساعات، أمسكت يدي بقوة وهمست بصوت متقطع:
“لا تفتح غرفة جدك…”
ثم ماتت وهي تنظر نحو زاوية الغرفة، لا نحوي.
الغرفة التي بقيت مغلقة عشرين سنة
أحيانًا الرائحة وحدها تكفي لتخبرك أن المكان ليس طبيعيًا
بيت العائلة كان معزولًا قرب حقول زيتون ميتة منذ سنوات طويلة. الرياح تمر داخله بطريقة تجعل الخشب يصدر أصواتًا تشبه التنفس البشري. لم أحب ذلك أبدًا.
غرفة جدي بقيت مغلقة منذ موته. المفتاح كان مخبأ داخل خزانة أمي، ملفوفًا بقطعة قماش سوداء كُتبت عليها آيات قرآنية بخيط باهت.
كان يجب أن أتراجع.
لكن الحزن يجعل الإنسان يتصرف أحيانًا وكأنه لا يخاف الموت أصلًا.
عندما فتحت الباب، خرجت رائحة جعلت معدتي تنقبض فورًا. مزيج من الأعشاب المحروقة، والرطوبة القديمة، ورائحة معدنية تشبه الدم الجاف.
الأرضية كانت مليئة بالشموع السوداء المذابة فوق رموز محفورة داخل البلاط. بعض الرموز يشبه الكتابات القديمة، لكنها بدت مشوهة عمدًا، كأن شخصًا حاول كتابة لغة لا يجب أن تُقرأ.
وجدت عشرات الدفاتر فوق الطاولة.
كل دفتر يحتوي أسماء، طلاسم، تواريخ، وطقوس مكتوبة بتفاصيل مرعبة. جدي لم يكن مجرد رجل يؤمن بالسحر… كان غارقًا فيه بالكامل.
إحدى الصفحات جعلت الدم يبرد داخل جسدي.
كانت قائمة طويلة من الأسماء.
وبجانب كل اسم… تاريخ وفاة.
في البداية ظننتها مصادفة سخيفة، لكنني بدأت أتعرف على الأسماء. رجل غرق قبل سنوات. امرأة مات أطفالها الواحد تلو الآخر. معلم المدرسة الذي قيل إنه انتحر داخل القبو.
كلهم كُتبت أسماؤهم قبل موتهم بأشهر.
وفي آخر الصفحة… كان اسمي.
مكتوبًا بحبر جديد نسبيًا.
البشر لا يدخلون الظلام إلا عندما يريدون الانتقام
الكراهية تبدأ صغيرة ثم تتحول إلى عبادة أحيانًا
. خالتي سميرة كانت أول شخص يعترف بالحقيقة.
قالت إن جدي كان يعمل سرًا مع رجال نافذين. سياسيين، تجارًا، أشخاصًا يريدون المال أو السلطة أو الانتقام.
بعضهم طلب تفريق الأزواج، والبعض طلب المرض أو الجنون لخصومه.وكان جدي ينفذ ذلك.

بمرور السنوات، أصبح يتعامل مع الجن كما لو كانوا شركاء قدامى. يقدم القرابين، ويقرأ طقوسًا غريبة داخل البئر القديمة خلف القرية.
لكن الأمور تغيرت عندما تورط في موت فتاة صغيرة.
كانت ابنة رجل متدين من مراكش. رفضت الزواج من أحد الأثرياء الذين استعانوا بجدي، وبعد أسابيع بدأت تتصرف بشكل مرعب. كانت تتحدث وحدها، تصرخ ليلًا، وتقول إن شيئًا يقف فوق صدرها أثناء النوم.
بعد شهر واحد فقط… ألقت بنفسها داخل النهر.
اختفى والدها بعدها، لكن الناس قالوا إنه عاد سرًا وانتقم من جدي بطريقة لم يفهمها أحد.
في تلك الفترة، أغلق جدي على نفسه الغرفة ثلاثة عشر يومًا كاملًا. لم يخرج، ولم ينم، ولم يأكل أمام أحد. الجيران كانوا يسمعون صراخه ليلًا ممزوجًا بتلاوات غير مفهومة.
وفي صباح اليوم الرابع عشر… خرج أعمى.
لم يعد طبيعيًا بعدها أبدًا.
عندما يتعلم شيء ما اسمك… يصبح النوم خطيرًا
بدأت أكره حلول الليل دون سبب واضح
بعد أسبوع من وصولي، بدأت الأحلام.
في البداية كنت أرى ماءً أسود فقط. مياه تتحرك داخل أنفاق ضيقة تحت الأرض، وأصوات همس تأتي من بعيد.
ثم بدأت الوجوه تظهر.
وجوه شاحبة تحت الماء، تحدق نحوي دون أن ترمش.
في الليلة السابعة، رأيت جدي.
كان واقفًا وسط الظلام بعينين بيضاوين محترقتين. جلده متشقق وشفاهه سوداء كأنها احترقت بالنار. كان يشير إلى الأسفل ويكرر جملة واحدة:

إنه ما زال جائعًا…”“
استيقظت وأنا أختنق.
وجدت دمًا خفيفًا يخرج من فمي فوق الوسادة.
حاولت إقناع نفسي أن الأمر نفسي فقط، لكن شيئًا داخلي كان يعرف أن الكابوس بدأ يتجاوز حدود العقل.
في نفس الليلة، استيقظت القرية على خبر مرعب.
وجدوا الحيوانات مذبوحة قرب المقبرة القديمة. ليس بطريقة عشوائية… بل موضوعة داخل دوائر غريبة مرسومة بالدم.
الأسوأ من ذلك أن أحدًا لم يتصل بالشرطة.
كأن الجميع فهم ما يحدث مسبقًا.
البئر لم تكن فارغة أبدًا
بعض الأصوات تقلد من نحبهم بشكل مرعب
وجدت خريطة صغيرة داخل آخر دفتر لجدي.
كانت تقود نحو بئر مهجورة خلف حقول الزيتون.
ذهبت قبل الغروب بقليل.
كل شيء هناك كان خاطئًا بطريقة يصعب شرحها. الهواء أبرد من الطبيعي، والهدوء ثقيل بشكل مزعج. حتى الطيور لم تكن تقترب من المكان.
حول البئر، رأيت بقايا شموع وعظام طيور صغيرة متفحمة.
وكانت هناك جملة محفورة على الحجر:
“كل عهد يحتاج ثمنًا.”
عندما نظرت داخل البئر، سمعت صوت تنفس.
بطيء… ثقيل… وكأنه صادر من صدر مريض عملاق يعيش تحت الأرض.
ثم سمعت صوت أمي.
“يوسف…”
تجمدت بالكامل.
كان صوتها حقيقيًا جدًا لدرجة جعلتني أقترب دون وعي.
كانت تبكي.
“ساعدني… أنا هنا…”
حتى الآن، لا أعرف لماذا شعرت وقتها أن شيئًا بدا خطأ رغم دقة الصوت. ربما لأن الحزن يجعل الإنسان يصدق ما يريد فقط.
ثم تغير صوتها فجأة.
ليس بشكل مخيف مباشر… بل بطريقة أسوأ.
اختفى الحزن من نبرتها تمامًا.
وأصبحت تهمس ببرود:
“اقترب أكثر…”
في تلك اللحظة، سمعت حركة داخل البئر.
شيء يتحرك في الأسفل.
شيء ضخم.
ثم سمعت خطوات خلفي مباشرة بين أشجار الزيتون الميتة.
خطوات بطيئة… لشخص لم يعد إنسانًا بالكامل.