لعنة البئر
في قرية نائية تدعى "وادي الظلال"، كان هناك بئر قديم يقع خلف التلال مباشرة. لم يكن مجرد بئر مهجور، بل مكانًا يخشاه الجميع. لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه منذ أكثر من مئة عام.
كان كبار السن يرددون دائمًا:
"إذا سمعت صوت طفل يناديك ليلًا، فلا تجبه... مهما حدث."
لكن أحدًا لم يكن يعرف السبب الحقيقي وراء هذا التحذير.
عاشت في القرية فتاة تُدعى عهد، فضولية وشجاعة بطبعها. كانت تسكن مع جدتها التي كانت ترفض تمامًا الحديث عن البئر.
في إحدى الليالي، استيقظت عهد على صوت خافت يأتي من خارج نافذتها.
"ساعديني..."
تجمدت في مكانها.
كان الصوت لطفل صغير يبكي.
ظنت أنها تتخيل، لكن الصوت عاد في الليلة التالية.
"أنا هنا... في البئر..."
تكرر الأمر لأسبوع كامل.
عندما أخبرت صديقها المقرب عمار بما تسمعه، لم يصدقها في البداية، لكنه وافق على مرافقتها لمعرفة الحقيقة.
في ليلة مقمرة، تسلل الاثنان إلى أطراف القرية.
كلما اقتربا من التلال، أصبح الهواء أبرد.
وصلوا أخيرًا إلى البئر الحجري العتيق.
نظر عمار إلى الداخل وأضاء مصباحه.
لم يرَ شيئًا.
لكن عهد سمعت الصوت بوضوح:
"أنتِ الوحيدة التي تسمعينني..."
ثم ظهر وجه طفل للحظة داخل الظلام.
صرخت عهد وتراجعت.
في اليوم التالي بدأ الاثنان البحث في سجلات القرية القديمة.
وبعد ساعات طويلة، عثرا على قصة منسية تعود إلى عام 1926.
كان هناك طفل يُدعى حارثة يبلغ من العمر تسع سنوات.
في إحدى الليالي الممطرة، سقط في البئر أثناء بحثه عن خروف ضائع.
ظل يصرخ طلبًا للمساعدة أيامًا كاملة.
لكن أهل القرية كانوا يعتقدون أن البئر مسكون، فلم يجرؤ أحد على الاقتراب.
مات حارثة وحيدًا في الأعماق.
وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، قيل إنه أطلق لعنة مرعبة:
"كل من يسمع ندائي ولا ينقذني... سيبقى معي إلى الأبد."
أغلقت عهد السجل وقد شحب وجهها.
في تلك الليلة نفسها، سمعت طرقات على نافذتها.
وعندما فتحت الستارة، رأت طفلًا يقف في الظلام.
كان مبللًا بالماء من رأسه حتى قدميه.
حارثة !!!
لكن عينَيه كانتا سوداوتين تمامًا.
ابتسم ببطء وقال:
"لقد تذكرتِني أخيرًا."
اختفى بعدها مباشرة.
في الصباح استيقظت عهد على صوت صرخات ونداءات البحث عن صديقها عمار.
بحثت عنه القرية كلها دون جدوى.
لكن عهد وجدت شيئًا غريبًا قرب البئر...
حذاء عمار.
فقط حذاءه.
مرت الأيام وبدأت عهد ترى عمار في أحلامها.
كان يقف داخل البئر ويصرخ:
"لا تصدقيه! إنه لا يريد النجاة... إنه يريد من يحل محله!"
أدركت عهد أن روح حارثة لم تعد مجرد ضحية.
لقد تحولت إلى شيء آخر.
وفي ليلة عاصفة، قررت مواجهة اللعنة.
ذهبت إلى البئر وحدها.
ما إن اقتربت حتى بدأ صوت عشرات الأطفال يرتفع من الأعماق.
بكاء.
استغاثات.
وهمسات متداخلة.
ثم ظهر حارثة أمامها.
كان شكله مشوهًا بشكل مخيف.
ثيابه ممزقة ومغطاة بالطين، والماء يتساقط من جسده باستمرار.
قال بصوت هادئ:
"أنا وحيد منذ مئة عام."
ثم أشار إلى البئر.
"انزلي... وسأطلق سراح الجميع."
كادت عهد تصدقه.
لكنها تذكرت حلم عمار.
فتراجعت خطوة.
عندها تغير وجه حارثة فجأة.
واتسعت ابتسامته بصورة غير طبيعية.
صرخ غاضبًا:
"إذن ستبقين معهم!"
وفجأة خرجت من البئر عشرات الأيدي الشاحبة.
أمسكت بعهد وسحبتها نحو الحافة.
صرخت بكل قوتها وتمسكت بجذع شجرة قريبة حتى أفلتت الأيدي واختفت.
ركضت عائدة إلى القرية دون أن تلتفت خلفها.
في الصباح، ذهب أهل القرية معها إلى البئر.
لكنهم لم يجدوا شيئًا.
لا أصوات.
لا آثار.
ولا حتى البئر نفسه.
كان المكان فارغًا تمامًا.
كأن البئر لم يوجد قط.
بعد أشهر، بدأت الحياة تعود إلى طبيعتها.
لكن في إحدى الليالي، استيقظت جدة عهد على صوت مألوف.
صوت طفل يبكي.
أسرعت إلى غرفة حفيدتها.
كانت الغرفة فارغة.
اختفت عهد دون أثر.
ولم يبقَ منها سوى دفتر مذكراتها.
في آخر صفحة كانت هناك جملة واحدة مكتوبة بخط مرتجف:
"كنت أظن أن حارثة سقط في البئر...
لكن الحقيقة أن لعنة البئر سقطت في حارثة."
ومنذ ذلك اليوم، أصبح أهل القرية يسمعون صوتين يطلبان المساعدة كل ليلة...
صوت طفل...
وصوت فتاة.