بين الظلال والصمت

البداية
لم يكن "سليم" يؤمن بالأشباح، مهما سمع من قصص أو شاهد من مقاطع مخيفة على الإنترنت. لذلك عندما تحداه أصدقاؤه أن يقضي ليلة داخل المستشفى المهجور الواقع على أطراف المدينة، وافق دون تردد.
وصل قبل منتصف الليل بقليل. كان المبنى قديماً، تتساقط منه قطع الطلاء، وتحيط به أشجار يابسة تتحرك أغصانها مع الريح كأنها أصابع طويلة تبحث عن فريسة.
أضاء مصباحه اليدوي ودخل.
كان الصمت ثقيلاً بشكل غريب. لا أصوات حشرات، ولا حركة حيوانات، فقط صدى خطواته في الممرات الطويلة. بينما كان يتجول، لاحظ أن جميع الغرف فارغة إلا من الأسرة الصدئة والكراسي المكسورة.
عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وصل إلى ممر طويل لم يكن قد رآه من قبل. شعر ببرودة مفاجئة تجتاح جسده. وفي نهاية الممر لمح شيئاً جعل قلبه يتوقف لثانية.
كانت هناك فتاة صغيرة تقف قرب أحد الأبواب.
شعرها الأسود يغطي نصف وجهها، وترتدي ثوباً أبيض قديماً.
ظن في البداية أنها متشردة دخلت المكان مثله.
ناداها:
"مرحباً... هل أنتِ بخير؟"
لم تجب.
اقترب منها ببطء.
لكن قبل أن يصل إليها بخطوات قليلة، التفتت الفتاة نحو نهاية الممر وأشارت بإصبعها المرتجف إلى الظلام.
رفع سليم مصباحه.
في البداية لم ير شيئاً.
ثم ظهرت هيئة امرأة طويلة تقف بعيداً.
كانت ساكنة تماماً.
لا تتحرك.
لا تتنفس.
مجرد ظل بشري يحدق نحوه.
ضحك سليم محاولاً إخفاء خوفه.
"من هناك؟"
لم يجب أحد.
عندما أدار رأسه نحو الفتاة ليسألها عنها، تجمد الدم في عروقه.
الفتاة اختفت.
اختفت خلال ثانية واحدة.
وكأنها لم تكن موجودة أصلاً.
بدأ قلبه يخفق بعنف.
تراجع عدة خطوات، لكن الضوء بدأ يومض. مرة... مرتين... ثم انطفأ للحظة قصيرة.
وعندما عاد النور...
لم تعد المرأة في نهاية الممر.
كانت أقرب.
أقرب بكثير.
حتى إنه استطاع رؤية خصلات شعرها المتدلية على وجهها.
صرخ سليم وركض.
لكن الممر بدا أطول من قبل.
كلما ركض، ظل يسمع صوت خطوات خلفه.
خطوة...
خطوة...
خطوة...
كأن أحداً يسير ببطء شديد ويستمتع بمطاردته.
وصل أخيراً إلى باب الخروج ودفعه بقوة.
لكنه لم يُفتح.
ضربه بكتفه مراراً.
مغلق.
استدار مذعوراً.
فوجد المرأة واقفة على بعد أمتار قليلة فقط.
وللمرة الأولى رفعت رأسها.
كانت عيناها فارغتين تماماً، كأنهما حفرتان مظلمتان لا نهاية لهما.
ثم همست بصوت خافت:
"لقد بقيتَ بعد منتصف الليل..."
ارتجف سليم.
"ماذا تريدين؟"
ابتسمت ابتسامة بطيئة ومخيفة.
وقالت:
"الآن... ستبقى معنا."
في صباح اليوم التالي، وصلت الشرطة بعد أن أبلغ أصدقاؤه عن اختفائه.
فتشوا المستشفى كاملاً.
لم يجدوا أي أثر لسليم.
لا هاتفه.
لا حقيبته.
لا حتى آثار أقدامه.
لكن أحد الضباط التقط صورة للممر الطويل قبل مغادرته.
وعندما راجعها لاحقاً...
رأى فتاة صغيرة تقف قرب أحد الأبواب.
وبجانبها شاب في العشرينات من عمره يرتدي الملابس نفسها التي كان سليم يرتديها ليلة اختفائه.
وكان الاثنان ينظران بصمت نحو نهاية الممر.