image about آخر رحلة في الطريق الجبلي

آخر رحلة في الطريق الجبلي

كان سليم يعمل سائقًا لشاحنة صغيرة، وكان معتادًا على السفر لمسافات طويلة ليلًا. لم يكن يخاف من الطرق المظلمة أو الجبال أو حتى العواصف، فقد مرّ بالكثير من المواقف الغريبة خلال سنوات عمله.

لكن هناك طريقًا واحدًا كان يتجنبه دائمًا.

كان يسمى بين السائقين طريق الوادي الأسود.

طريق ضيق يمر بين الجبال، وتنتشر حوله أشجار كثيفة تجعل الظلام فيه شديدًا حتى عندما يكون القمر مكتملًا.

كان السائقون يقولون إن حافلة قديمة تظهر هناك بعد منتصف الليل.

حافلة بلا رقم.

وبلا سائق يمكن رؤيته بوضوح.

والأغرب أن الأشخاص الذين يصعدون إليها لا يعودون بالطريقة نفسها التي دخلوا بها.

كان سليم يضحك عندما يسمع هذه الحكايات.

حتى جاءت تلك الليلة.

كانت الساعة تقترب من الواحدة صباحًا عندما تعطلت سيارته في منتصف الطريق.

حاول تشغيل المحرك.

مرة.

مرتين.

ثلاث مرات.

لا شيء.

أخرج هاتفه.

لا توجد شبكة.

كانت السماء مغطاة بالغيوم، وبدأ المطر يهطل بقوة.

قرر السير حتى يصل إلى أقرب قرية.

حمل مصباحه وبدأ يمشي.

بعد حوالي عشرين دقيقة، سمع صوت محرك خلفه.

التفت.

ظهرت حافلة قديمة من وسط المطر.

كانت سرعتها بطيئة جدًا.

اقتربت منه وتوقفت.

فتح الباب.

لم يكن هناك أي رقم على مقدمة الحافلة.

نظر سليم إلى الداخل.

كان هناك عدد قليل من الركاب يجلسون في صمت.

قال السائق:

“اركب.”

سأل سليم:

“الحافلة رايحة فين؟”

لم يجب السائق.

نظر سليم خلفه إلى الطريق المظلم.

ثم إلى المطر.

صعد.

أغلق الباب.

تحركت الحافلة.

جلس سليم بالقرب من النافذة.

حاول رؤية الطريق، لكنه لم يجد أي شيء خارج الزجاج سوى ظلام كثيف.

بعد دقائق، لاحظ شيئًا غريبًا.

جميع الركاب كانوا ينظرون إليه.

رجل عجوز في المقدمة.

امرأة تحمل حقيبة.

شاب يجلس وحده.

وطفل صغير بجوار النافذة.

ظلوا جميعًا يراقبونه دون كلام.

قال سليم:

“في حاجة؟”

لم يرد أحد.

ثم اقتربت المرأة منه.

وقالت بصوت منخفض:

“إنت أول مرة تركب؟”

أجاب:

“أيوه.”

نظرت إليه بحزن.

“يبقى لسه قدامك وقت.”

سألها:

“وقت لإيه؟”

ابتعدت دون إجابة.

بدأ سليم يشعر بالقلق.

نظر إلى الساعة.

كانت 1:17.

مرت عشر دقائق.

ثم نظر إليها مرة أخرى.

كانت لا تزال 1:17.

حاول تشغيل هاتفه.

الشاشة تعمل.

لكن الوقت ثابت.

بدأت الحافلة تصعد طريقًا جبليًا شديد الانحدار.

قال سليم للسائق:

“معلش، إحنا رايحين فين؟”

رد السائق لأول مرة:

“لآخر محطة.”

سأل:

“اسمها إيه؟”

قال:

“هتعرف لما نوصل.”

واصلت الحافلة السير.

ثم انطفأت الأنوار.

ساد الظلام.

سمع سليم صوت الطفل بجانبه:

“هو مش المفروض يكون هنا.”

رد رجل عجوز:

“كلهم بيقولوا كده في البداية.”

اشتعلت الأنوار من جديد.

اختفى الطفل.

تجمد سليم.

نظر إلى المقعد.

كان فارغًا.

قال:

“الولد فين؟”

لم يرد أحد.

ثم لاحظ أن المرأة التي تحدثت إليه اختفت أيضًا.

وبعد لحظات، اختفى الشاب.

ثم الرجل العجوز.

واحدًا تلو الآخر.

حتى لم يبقَ سوى سليم والسائق.

اقترب سليم من الباب.

ضغط زر الفتح.

لم يحدث شيء.

قال:

“وقف الحافلة!”

قال السائق:

“مفيش وقوف هنا.”

“أنا عايز أنزل.”

“مينفعش.”

“ليه؟”

نظر السائق إلى المرآة.

قال:

“لأنك وصلت.”

نظر سليم من النافذة.

كانت الحافلة قد توقفت أمام مبنى ضخم وسط الجبال.

كان يبدو كأنه محطة قديمة.

لكن لم تكن هناك أي طرق حولها.

نزل السائق.

ظل سليم في مكانه.

بعد لحظات، فتح الباب مرة أخرى.

ظهر السائق وقال:

“آخر محطة.”

نزل سليم.

كانت المحطة مظلمة.

وجد لوحة قديمة مكتوبًا عليها:

الرحلة الأخيرة.

ثم لاحظ شيئًا جعل الدماء تتجمد في عروقه.

كانت هناك صور معلقة على الحائط.

صور لأشخاص ركبوا الحافلة.

رأى المرأة.

والشاب.

والرجل العجوز.

ثم وجد صورة الطفل.

كلهم كانوا في الصور منذ سنوات.

ثم وجد صورة أخرى.

اقترب منها.

كانت صورته.

لكن الصورة كانت مؤرخة قبل ثلاثين عامًا.

تراجع سليم.

قال:

“مستحيل.”

ثم سمع صوتًا خلفه.

“مش مستحيل.”

استدار.

كان السائق واقفًا هناك.

قال:

“إنت ركبت الحافلة دي قبل كده.”

أجاب سليم:

“أنا عمري ما شفتك.”

قال السائق:

“لأنك نسيت.”

بدأت ذكريات غريبة تظهر في رأس سليم.

طريق جبلي.

مطر.

حافلة.

ثم صوت والده.

كان طفلًا صغيرًا يجلس بجوار والده داخل الحافلة.

تذكر.

كان قد ركب الحافلة منذ سنوات طويلة.

لكن لماذا نسي؟

اقترب السائق.

وقال:

“في كل رحلة، واحد من الركاب بيفتكر.”

سأل سليم:

“وبعدين؟”

قال:

“وبعدين يختار.”

“يختار إيه؟”

أشار السائق إلى باب خلفي.

“يخرج… أو يرجع.”

فتح الباب.

خلفه كان هناك طريقان.

أحدهما يؤدي إلى مدينة مضيئة.

والآخر يؤدي إلى الحافلة.

قال السائق:

“لو اخترت المدينة، هتنسى كل حاجة.”

نظر سليم إلى الطريق المضيء.

ثم إلى الحافلة.

لكن شيئًا جعله يتوقف.

سمع صوت والده:

“ماتركبش.”

كان الصوت يأتي من الحافلة.

اقترب سليم.

وجد والده جالسًا في المقعد الأخير.

كان يبدو كما يتذكره.

اقترب منه.

قال:

“بابا؟”

رفع الرجل رأسه.

ابتسم.

“اتأخرت يا سليم.”

اقترب سليم أكثر.

لكن فجأة لاحظ أن كل الركاب عادوا للظهور.

كانوا يجلسون في أماكنهم.

لكن هذه المرة كانوا جميعًا ينظرون إليه.

قال الرجل الذي يشبه والده:

“اركب.”

تراجع سليم.

“إنت مش والدي.”

اختفت الابتسامة.

قال السائق:

“كويس.”

“كويس إيه؟”

قال:

“عرفت.”

بدأت الحافلة تهتز.

تحركت الأبواب وحدها.

وأصبح صوت المحرك أعلى.

صرخ السائق:

“اجري!”

ركض سليم نحو الطريق المضيء.

كانت الحافلة خلفه.

لم ينظر إليها.

سمع أصوات الركاب ينادونه.

صوت المرأة.

صوت الطفل.

صوت والده.

لكن سليم استمر في الركض.

حتى وصل إلى نهاية الطريق.

ثم سقط على الأرض.

فتح عينيه.

كان واقفًا بجوار سيارته المعطلة.

كانت الشمس قد بدأت تشرق.

نظر إلى هاتفه.

كانت الساعة 6:12 صباحًا.

ظهرت الشبكة.

اتصل بصديقه.

سأله:

“إنت كنت فين طول الليل؟”

قال سليم:

“العربية عطلت.”

صمت صديقه.

ثم قال:

“عربيتك؟”

“أيوه.”

“بس العربية دي كانت متوقفة من امبارح في الورشة.”

نظر سليم إلى سيارته.

لم تكن هناك سيارة.

كان يقف بجوار مكان فارغ.

بدأ يشعر بالخوف.

ثم وجد شيئًا في جيبه.

تذكرة قديمة.

مكتوب عليها:

الراكب: سليم.

الوجهة: آخر محطة.

وفي أسفلها جملة:

“رحلة العودة مؤجلة.”

رفع سليم رأسه.

في نهاية الطريق الجبلي، ظهرت الحافلة.

كانت واقفة بعيدًا.

بابها مفتوح.

والسائق ينظر إليه.

ثم أُغلق الباب ببطء.

تحركت الحافلة واختفت خلف الجبل.

ومنذ ذلك اليوم، أصبح سليم يتجنب السفر ليلًا.

لكن المشكلة لم تنتهِ.

فكل ليلة عند الساعة 1:17، يسمع صوت محرك حافلة أمام منزله.

وعندما ينظر من النافذة…

يرى نفس الحافلة.

لكن في كل مرة يكون هناك راكب جديد يجلس في المقعد الأمامي.

وفي آخر مرة نظر فيها سليم…

كان الراكب طفلًا صغيرًا يشبهه تمامًا.

ثم رفع الطفل يده نحو النافذة.

وأشار إلى المقعد الفارغ بجانبه.

وكأنه يقول له: مكانك لسه موجود.