آخر رسالة من المقبرة

آخر رسالة من المقبرة
كان يوسف يعمل مصورًا صحفيًا ويحب استكشاف الأماكن المهجورة بحثًا عن صور نادرة. في أحد الأيام سمع عن مستشفى قديم أُغلق منذ أكثر من ثلاثين عامًا بعد حادث غامض أدى إلى اختفاء عدد من المرضى والعاملين دون أي تفسير. لم يصدق يوسف تلك الحكايات، واعتبرها مجرد قصص يختلقها الناس لإثارة الخوف، فقرر الذهاب إلى المستشفى ليلًا وتصويره.
وصل إلى المكان قبل منتصف الليل بقليل، وكانت البوابة الحديدية مغطاة بالصدأ والنباتات الجافة. دفعها بصعوبة فأصدرت صوتًا مزعجًا تردد صداه في المكان. دخل وهو يحمل كاميرته ومصباحًا صغيرًا، ولاحظ أن كل شيء بقي كما كان منذ سنوات طويلة؛ الأسرة مغطاة بالغبار، والكراسي مكسورة، والملفات الطبية متناثرة على الأرض، وكأن الجميع غادروا فجأة دون أن يأخذوا شيئًا معهم.
بينما كان يلتقط الصور، سمع صوت جهاز طبي يعمل في نهاية الممر، رغم أن المستشفى لا توجد به كهرباء. اقترب بحذر، وكلما اقترب أصبح الصوت أوضح، لكنه توقف فجأة عندما وصل إلى الغرفة. لم يجد أحدًا، لكن شاشة الجهاز أضاءت وحدها وظهرت عليها كلمة واحدة: "اهرب."
شعر يوسف بقشعريرة تسري في جسده، لكنه أقنع نفسه بأن هناك تفسيرًا منطقيًا لما يحدث. واصل التصوير حتى لمح شخصًا يرتدي ملابس طبيب يقف في آخر الممر. رفع الكاميرا ليلتقط صورة، لكن الرجل اختفى في اللحظة نفسها. عندما نظر إلى الصورة التي التقطها، وجد الطبيب ظاهرًا فيها بوضوح، لكنه كان يقف خلف يوسف مباشرة.
التفت بسرعة فلم يجد أحدًا. بدأ الخوف يسيطر عليه، فقرر مغادرة المكان، لكنه اكتشف أن الباب الذي دخل منه اختفى، وكأن جدارًا ضخمًا حل محله. حاول البحث عن مخرج آخر، إلا أن الممرات أصبحت مختلفة، وكل باب يفتحه يعيده إلى المكان نفسه.
فجأة بدأت أضواء الغرف تضيء وتنطفئ بسرعة، وامتلأت الممرات بأصوات صراخ واستغاثات. رأى مرضى بملابس ممزقة يسيرون ببطء، ووجوههم شاحبة وعيونهم سوداء تمامًا. كانوا يحدقون فيه بصمت، ثم بدأوا يقتربون خطوة بعد أخرى.
ركض يوسف بكل قوته حتى وصل إلى غرفة العمليات. أغلق الباب خلفه وهو يلهث، لكنه سمع صوتًا يقول: "لن تستطيع الهرب." استدار ليجد الطبيب نفسه واقفًا أمامه، لكن وجهه كان محترقًا بالكامل، وفي يده ملف قديم يحمل اسم يوسف وتاريخ ميلاده. فتح الطبيب الملف وقال بصوت هادئ: "لقد كنا ننتظرك منذ سنوات."
قبل أن يفهم ما يحدث، انطفأت الأنوار، وشعر بيد باردة تمسك بكتفه. حاول الصراخ، لكن صوته اختفى. وبعد لحظات عاد الضوء، ولم يكن في الغرفة أحد سواه، إلا أن الكاميرا كانت لا تزال تعمل. أمسك بها بسرعة وخرج يركض حتى وجد الباب الرئيسي مفتوحًا، فغادر المستشفى دون أن ينظر خلفه.
عندما عاد إلى منزله، نقل الصور إلى جهاز الكمبيوتر، فكانت جميعها سوداء، ما عدا الصورة الأخيرة. ظهر فيها يوسف واقفًا داخل غرفة العمليات، وخلفه عشرات الوجوه الشاحبة تبتسم ابتسامة مخيفة، بينما كان الطبيب يضع يده على كتفه وينظر مباشرة إلى عدسة الكاميرا. وفي أسفل الصورة ظهرت عبارة لم يكتبها أحد: "سنراك مرة أخرى قريبًا."
في صباح اليوم التالي، اختفى يوسف دون أن يترك أي أثر. وعندما عثرت الشرطة على كاميرته، كانت الصورة الأخيرة قد اختفت، لكن العاملين في قسم الأدلة الجنائية أكدوا أنهم كلما حاولوا تشغيل الكاميرا سمعوا صوتًا خافتًا يقول: "الدور القادم عليكم." ومنذ ذلك اليوم، لم يجرؤ أحد على دخول ذلك المستشفى بعد غروب الشمس، وما زال السكان يؤمنون بأن أرواح من اختفوا هناك لم تغادر المكان أبدًا، بل ما زالت تنتظر ضحية جديدة كل ليلة.