جثة في الظلام : طيف في المشرحة
الفصل الأول:
طيف في مشرحة الظلال
لم تكن ليلة عادية في مدينة تقع على حافة النسيان، حيث الضباب يبتلع الشوارع وكأن الأرض تنفث أحزانها إلى السطح. في قلب المستشفى المركزي القديم، ذلك البناء الذي تفوح منه رائحة الرطوبة وتاريخ طويل من الأوجاع المنسية، كان الرائد **أحمد** يقف أمام باب المشرحة المغلق. قدمه تقوده إلى هنا رغبة ملحة، ورطوبة في الهواء تثير الريبة.
الملفات المتناثرة على مكتبه العتيق لم تكن تحمل سوى أرقام، لكن اسماً واحداً كان يحفر في عقله كالمسمار: **سارة**. الفتاة التي اختفت لأسابيع، لتعود اليوم جثة باردة على طاولة التشريح، بلا سبب وفاة مقنع، وبلا تقرير طبي يريح الضمير.
دفع الباب الحديدي الثقيل الذي أصدر صريراً يشبه أنين جريح. في الداخل، كان ضوء النيون المتقطع يلقي ظلالاً مرتعشة على الجدران الخرسانية المقشرة. وعلى الطاولة المعدنية الباردة، تحت ملاءة بيضاء شاحبة، كانت تسترقد النهاية لقصة لم تبدأ بشكل صحيح.
وقف أحمد هناك، يتأامل المكان الذي هجره الأطباء والممرضون مبكراً، وحدها أنوار الطوارئ الباهتة كانت تضيء المشهد. لكن ما لفت انتباهه لم يكن برودة الجثة، بل صوت خافت.. صوت احتكاك معدني خفيف يأتي من زاوية الغرفة المعتمة.
التفت بسرعة، ليجد الدكتور **شريف** واقفاً هناك، في عمق الظل، يرتدي معطفاً أبيض غطته بقع باهتة لا يبدو أنها مخصصة للتطهير الطبي. كان شريف ينظر إلى الجثة بنظرة جامدة، نظرة عالم يحمل في عينيه شغفاً مريضاً يتجاوز حدود مهنة الطب بكثير.
"أنت متأخر يا حضرة الضابط.. أو ربما.. جئت في الموعد تماماً لنطق الكلمة الأخيرة،" قال شريف بصوته الهادئ والمخيف في آن واحد، وهو يقترب بخطوات بطيئة لا تكاد تُسمع على الأرضية الرخامية.
لم يرد أحمد، بل شد قبضته على دفتر ملاحظاته، وعيناه معلقتان على الطبيب الذي بدا وكأنه يمارس طقساً سرياً في هذه الساعات الميتة من الليل.
سأله أحمد بصوت جاد يكبح توتره: “تقرير الوفاة يقول إنها سكتة قلبيّة.. لكن آثار الكدمات حول معصميها، وتلك الرموز الممشوقة بمشرط جراحي على ساكتها.. كيف تفسرها يا دكتور؟”
توقف شريف عن التقدم، وابتسم ابتسامة خفيفة، باردة، لا تصل إلى عينيه أبداً. اقترب أكثر حتى أصبح يقف على بعد خطوتين فقط منه، هامساً بصوت يشبه حفيف الأوراق الميتة:
“الطب يعجز أحياناً عن قراءة ما تخطه الأرواح على الجسد يا أحمد.. أنت تبحث عن جريمة قتل، بينما أنا أرى هنا.. ولادة جديدة.”
في تلك اللحظة، شعر أحمد ببرودة غريبة تسري في عمود الفقري، كأن الجدران نفسها تحيط بهما وكأن الغرفة تضيق. أدرك أن ما يدور خلف أسوار هذا المستشفى المهجور ليلاً، يتجاوز أبواب القانون والعدالة بكثير. وكان ذلك اللقاء العاصف في المشرحة مجرد البداية.. العتبة الأولى التي ستأخذه إلى الجحيم مباشرة.