يوسف و صدي الهاوية
يوسف والهاوية
لم يكن يوسف يؤمن بالخرافات، كان رجلاً عملياً، عالم آثار قضى حياته ينبش الأرض بحثاً عن الحقيقة المدفونة في الطين والحجر. لكن كل شيء تغير في تلك الليلة المشؤومة في وادي الملوك بدين المجرة. كان ينقب في سرداب مكتشف حديثاً، سرداب لم تذكره أي خريطة، لم يمسه بشر منذ آلاف السنين.
بينما كان يزيل الغبار عن جدارية غريبة، تعثر قَدَمُه بفتحة في الأرض. سقط... وسقط... لم يكن سسقوطاً عادياً، بل كأنه انزلاق في حلقوم كائن خرافي، هبوط لا ينتهي في ظلام دامس، بارد كالثلج، ورطب كالقبر.
عندما توقف السقوط، وجد نفسه في مكان لم تره عين بشرية من قبل. لم تكن هناك شمس، ولا نجوم، بل سماء بلون الدم المحترق، ملبدة بدخان كثيف يزحف كالأفاعي. الأرض تحت قدميه كانت سوداء متفحمة، تنبعث منها حرارة خافتة ومقززة. الهواء كان ثقيلاً، مشبعاً برائحة الكبريت والتعفن الصرف.
سار يوسف في هذا الجحيم البصري، مدفوعاً برعب لم يعرفه قط. رأى عذابات لا توصف؛ أرواحاً هزيلة، شاحبة كالأشباح، محبوسة في صخور مدببة، تصرخ بصوت صامت، عيونها فارغة من الأمل، مليئة بالألم الأزلي. رأى كائنات شيطانية، برؤوس مجرودة وقرون ملتوية، تجلد هذه الأرواح بسياط من نار، وتضحك بقهقهات تردد صدى الهاوية.
وصل يوسف إلى بوابة ضخمة من العظام البشرية المنحوتة بدقة مرعبة. كان يقف أمامها كائن عظيم، بواب الهاوية، "أبيسو". لم يكن له وجه بشر، بل قناع من الظلام يطل منه عينان حمراوان متقدتان. قال بصوت يشبه حفيف الأفاعي وصوت الرعد: "من يجرؤ على دخول وادي النسيان؟ القليل يدخلون، ولا أحد يعود".
توسل يوسف، واعداً بأي شيء، بكل ثرواته، بكل معرفته، فقط ليعود إلى النور. ضحك أبيسو ضحكة هزت أركان المكان: "النور؟ لقد بعته في اللحظة التي وطأت فيها قدمك هنا. لكن، هناك مخرج واحد، مخرج لا يجرؤ عليه إلا اليائسون".
أشار أبيسو إلى مرآة ضخمة من الدم المتجمد. نظر يوسف إليها، ورأى نفسه... لكن ليس كما هو. رأى نسخة مشوهة، مسلوخة الجلد، عيناه محفورتان، وصدره مفتوح يكشف عن قلب أسود متفحم. صرخ أبيسو: "لتعود، يجب أن تترك جزءاً منك هنا. يجب أن تصبح واحداً منا، روحاً معذبة أخرى لتملأ الفراغ".
قبل يوسف، مدفوعاً برعب الموت الأبدي. شعر بألم لا يطاق، كأن روحه تُنزع من جسده. نقشت نقوش غريبة، تشبه العظام، على معصميه، وحفرت ندوب عميقة على جسده، صدى للألم الذي قبل به.
استيقظ يوسف في السرداب المظلم، والشموع من حوله كانت قد انطفأت. عاد إلى النور، لكنه لم يعد هو نفسه. الندوب على معصميه لم تختفِ قط، كانت تذكره كل يوم بصفقته المشؤومة. عيناه أصبحتا بائستين، غائرتين، تحملان ثقل العالم السفلي. هجر عمله، وانعزل في غرفته المظلمة، يحيط نفسه بالشموع، يخشى الظلام أكثر من أي شيء آخر. كلما أغلق عينيه، رأى وجه أبيسو، وسمع صراخ الأرواح المعذبة، وشعر ببرد الهاوية يزحف إلى روحه.
لقد عاد يوسف، لكن جزءاً كبيراً منه، جزءاً حياً ونابضاً بالأمل، ظل عالقاً هناك، يصرخ في عذاب أبدي، روحاً معذبة أخرى في فوضى العالم السفلي، شاهداً حياً على أن بعض الأبواب... يجب أن تظل مغلقة للأبد.![]()
ام شكرا علي حسن المتابعة