سكان العتمه : مقبره الجحيم

سكان العتمه :مقبره الجحيم
لم يكن انتقال طارق لشقة قديمة بالدور الأرضي بدافع الرفاهية، بل هرباً من ارتفاع الأسعار المبالغ فيه. كانت الشقة تقع في بناية يعود تاريخها للأربعينيات، وإيجارها زهيد بشكل مريب، برائحة داخلية تشبه القماش المبتل بالعفن. في اليوم الثالث، وأثناء تحريك خزانة الملابس الخشبية في المطبخ، كشف الاحتكاك عن باب حديدي صدئ مسدود ببرغي ضخم ومغطى بالشمع. دفعه الفضول الممزوج بالغباء البشري المعتاد لكسر القفل، ليفوح منه نسيم دافئ محمل برائحة كبريتية تشبه رائحة المذابح المهجورة، مع سلالم حجرية ضيقة تنزل نحو الظلام.
نزل طارق خطوة بخطوة ممسكاً بكشاف هاتفه. كان القبو أسفل العمارة واسعاً وممتداً تحت الأرض لمسافة تتجاوز حدود الشقة. الأرضية لم تكن ترابية، بل مفروشة بطبقة سميكة ورمادية تشبه البودرة الناعمة، وفي المنتصف تراكمت أكوام مريبة. عندما جثا على ركبتيه وأمسك بحفنة منها، تصبب العرق البارد من جبينه؛ لم تكن هذه أتربة، بل نسيجاً خشناً من بقايا عظام مطحونة وأنسجة جافة. وفجأة، تعثرت قدمه بجمجمة بشرية مهشمة من الجانبين كأن فكاً عملاقاً فجرها بقوة.
في هذه اللحظة بالذات، انطفأ كشاف الهاتف وعمّ الظلام التام. حلّ صمت خافق ثوانٍ معدودة قبل أن يبدأ صوت طقطقة وقرمشة واحتكاك أسنان عاجية ضخمة ببعضها. لم يكن كائناً واحداً، بل عشرات الأجسام الدقيقة التي تتنفس بهسيس حاد وتتحرك بسرعة مرعبة على الجدران. في الوميض الضعيف لشاشة الهاتف، رأى طارق كائنات سوداء عديمة الأعين، بجلود مطاطية متغضنة، وأفواه دائرية مليئة بصفوف متداخلة من الأسنان الحادة المصنوعة من مادة أقوى من الصلب.
اندفع أحد الكائنات في الظلام ليرتطم بساقه، وغرس أسنانه فوراً في العظم بدلاً من اللحم، ليتفتت داخل الساق كأن مطحنة خرسانة أطبقت عليه. أطلق طارق صرخة مكتومة وضرب الكائن بكل قوته بمفك البراغي، لينسكب منه سائل أسود لزج، لكن كائنات أخرى قفزت من السقف نحو وجهه وكتفيه. بدأت المذبحة؛ كانت الكائنات تتجاهل العضلات لتصل إلى العظام في الفك والترقوة والقفص الصدري. بدأ طارق يتخبط ويصرخ متمدداً فوق بودرة العظام السابقة لضحايا لا حصر لهم.
كسر طارق فك أحد الكائنات بيده العارية وهو يشعر بأسنانه تتهشم داخل فمه هو نفسه إثر ضربة متساقطة. تحول القبو إلى مدعكة حقيقية؛ الدماء تتناثر، وأصوات تكسر العظام تصدح في المكان. وصل بشدة إلى بداية السلالم الحجرية وهو يجرّ ساقه المهشمة. جمع ما تبقى لديه من طاقة ودفعة أخير أزاح بها كائناً يلتصق برقابته، ثم هشم رأسه عند زاوية الباب الحديدي، وقفز خارج القبو ليدفع الخزانة الثقيلة ويغلق الباب بالكامل.
استلقى طارق على أرضية المطبخ يتنفس بصعوبة، متخثراً بالدماء وساقه تتحول لعجينة لا تحمله. بصق على الأرض ليتساقط من فمه دم مخلوط بثلاثة من أسنانه الأمامية التي اقتُعلت أثناء العراك. وحين ظن أنه أوشك على النجاة، سمع صوت ارتطام قوي يبدأ من تحت أرضية غرفة النوم، تلاه صوت قرمشة خفيفة داخل الجدار الملاصق لسريره؛ حينها فقط أدرك أن القبو ممتد تحت الشقة بأكملها، وأن الكائنات لم تكن محبوسة في المطبخ وحده.