المنزل رقم 9: بقايا العائلة القديمة

المنزل رقم 9: بقايا العائلة القديمة
في أطراف بلدتنا القديمة، يربض المنزل رقم 9 كشاهد صامت على حكاية انمحت تفاصيلها من ذاكرة البشر، لكنها بقيت محفورة في جدرانه. كان البيت يتكون من طابقين بطراز معماري يعود لأربعينيات القرن الماضي، تحيط به أشجار صنوبر ذابلة لم تُثمر منذ عقود. كان الجميع يتحاشون المرور أمامه بعد غروب الشمس، فالأساطير المحلية تتحدث عن عائلة "النويري" التي اختفت داخل أروقته في ليلة شتوية واحدة عام 1975 دون أن يخرج منها أحد، ودون أن تُعثر الشرطة على أي أثر لجسد أو صراع.
بدأت قصتي مع المنزل عندما كُلفت بترميم الوثائق والمقتنيات القديمة لصالح الأرشيف المحلي. دخلت الباب الرئيسي الذي أصدر أهيزاً حاداً، واستقبلتني رائحة الرطوبة والأوراق المحترقة. كانت الصالة الرئيسية تحتفظ بأثاثها كاملاً، يغطيه الغبار كأنه كفن أبيض. ما لفت انتباهي فوراً هو الجدار الأوسط؛ كانت تُعلق عليه إطارات خشبية فارغة، باستثناء صورة واحدة كبيرة لعائلة تتكون من أب وأم وثلاثة أطفال، أطرافها متآكلة لكن ملامح وجوههم كانت واضحة بشكل مريب... باستثناء الأب الذي تم طمس وجهه بآلة حادة.
في اليوم الثالث من عملي داخل المنزل، بدأت الأواني النحاسية في المطبخ تزنّ باهتزاز خفيف كلما اقتربت الساعة من الثالثة فجراً. لم أكن أؤمن بالخرافات، لكن الصوت كان يزداد حدة ليتحول إلى ما يشبه الهمس الجماعي. صعدت إلى الطابق الثاني مستكشفاً الغرف المغلقة، ولفتت نظري غرفة الأطفال. كانت ألعابهم الخشبية مرتبة بدقة على طاولة صغيرة، وكأن أحدهم تركها للتو ليبدأ لعبته. عندما اقتربت من إحدى الدُعابات القطنية، سمعت صوت وقع أقدام صغيرة تركض في الممر الخارجي وتسقط على السلم الحجري.
عندما عدت إلى الصالة الرئيسية للتحقق، تجمد الدم في عروقي. الصورة العائلية القديمة لم تكن كما تركتها قبل ساعات؛ لقد تغيرت وضعية الأطفال في اللوحة، وأصبح أحدهم يشير بأصبعه نحو باب القبو الأسفل. رفعت قنديل اليد وهبطت الدرجات الخشبية المتهالكة ونحوت القبو. هناك، في منتصف الغرفة المظلمة، وجدت مذكرات يومية مكتوبة بخط يد الأم، تتحدث عن "الكيان الذي يسكن أسفل الأساسات"، وكيف بدأ يطالب بتبديل أفراد العائلة واحداً تلو الآخر حتى لا ينهار المنزل.
السطر الأخير في المذكرات كان مكتوباً بمداد أحمر جاف: "لقد أخذنا جميعاً، والآن ينتظر من يقرأ هذه السطور ليكتمل شمل العائلة". في تلك اللحظة بالذات، انغلق باب القبو بقوة خلفي، وسُمع صوت خطوات ثقيلة تنزل الدرج، بينما بدأت الظلال على الجدران تتشكل على هيئة أفراد عائلة النويري، وهم يرحبون بزيارتي الجديدة.
تراجعت إلى الخلف حتى ارتطمت بالجدار الصلب، بينما كانت الأطياف تدنو ببطء، وفي عينيك كل منها بريق ينادي باسمي. استجمعت قواي الأخيرة والدفعة الأخير للحرية، ودفعت نافذة القبو الصغيرة العلوية بقدمي بكل ما أوتيت من قوة، لأخرج زاحفاً إلى الفناء الخارجي تحت أضواء الفجر الأولى، متعهداً ألا ألتفت وراءي أبداً نحو المنزل رقم 9.