In this article

تنويه: هذه القصة عمل أدبي خيالي من وحي الخيال، وجميع الشخصيات والأماكن والأحداث الواردة فيها من نسج الخيال، ولا تمت للواقع أو لأي أشخاص حقيقيين بصلة.
لم يكن الشريط فارغاً. كان يتنفس.
هذه أول جملة كتبتها في دفتر ملاحظاتي بعد الشريط السابع. لم أجد وصفاً أدق.
أنا رهف، 29 عاماً، أعمل في تفريغ وتدقيق التسجيلات الصوتية القديمة. عائلات ترسل لي أشرطة كاسيت لجدودهم، شركات ترسل اجتماعات مسجلة من التسعينيات. عملي كله هو تحويل الهمة والخشخشة إلى كلمات واضحة.
قبل أسبوعين، وصلني صندوق.
الصندوق الغامض
لا يوجد اسم مرسل كامل، فقط حرفان: م.ح. ورسالة مطبوعة قصيرة:
“30 شريطاً. مرقمة. أريد تفريغها نصياً. لا تستمعي لها بترتيب عشوائي. لا تبحثي عن الشريط 13.”
داخل الصندوق، أشرطة كاسيت قديمة من النوع البني، ملفوفة بعناية في قماش. من 1 إلى 12، ثم من 14 إلى 30. الشريط 13 غير موجود فعلاً.
بدأت بالشريط رقم 1.
صوت رجل مسن، في الستينيات، صوته متعب لكنه متحمس:
— اليوم 3 مارس. بدأت اليوم وضع الأساس. الأرض هنا هادئة جداً، زوجتي ستحب هذا الهدوء. يقولون إن هذه البقعة من الصحراء كانت مسكونة قديماً، لكنني لا أصدق الخرافات.
كان يسجل يوميات بناء بيت في منطقة يسميها "حوض الرمل". يتحدث عن الطوب، عن الماء، عن الريح.
في الشريط 4، حدث أول شيء غريب.
الصوت الثاني
كنت أسمعه بسماعاتي ليلاً. الرجل يقول:
— اليوم أنهيت الجدار الشمالي. سمعت صوتاً يأتي من تحته كأن أحدهم يطرق من الداخل.
ثم صمت.
وفي خلفية التسجيل، صوت خافت جداً، كأنه شخص آخر يهمس نفس الجملة بعد ثانية واحدة. متأخراً بجزء من الثانية.
أعدت المقطع. نعم، هناك صدى يقلده. لكنه ليس صدى المكان. كان صوتاً مختلفاً، أنعم، كأنه يتعلم.
كتبت في التفريغ: [صوت ثانٍ غير واضح في الخلفية].
في الشريط 6، أصبح الصوت الثاني أوضح.
الرجل يقول: — البيت بارد رغم الحر.
الصوت الثاني يقول بعده مباشرة، بصوت متقطع: — ...البـ...ـيت... بارد…
اقشعر جسدي. هذا ليس تشويشاً.
راسلت العميل م.ح:
— هل لاحظت من قبل وجود صوت ثانٍ في التسجيلات؟
رد بعد ساعات:
— أكملي عملك فقط. لا تتوقفي عند أي صوت.
التصاعد
من الشريط 8 إلى 12، لم يعد الرجل يبني بيتاً لزوجته. بدأ يتحدث كأنه يبني لشيء آخر.
— اليوم حفرت أكثر مما خططت. الأرض مجوفة. وجدت فراغاً تحت الرمل، ليس كهفاً، بل كأنه غرف. غرف كانت موجودة قبلي. أنا لا أبني، أنا أكشف.
— الصوت لم يعد يقلدني، أصبح يسبقني. أقول الكلمة بعد أن يقولها هو.
— زوجتي لن تأتي إلى هنا. هذا المكان لا يريدها. يريد من يفهمه. يريد من يستمع طويلاً.
في الشريط 12، كان صوت الرجل مرعوباً تماماً، يهمس:
— فهمت الآن. البيوت القديمة لا تموت. هي تتعلم كيف تبقى. تتعلم الأصوات، تحفظها، ثم تعيدها حتى يأتي أحد ويبني فوقها مرة أخرى. أنا لم آتِ إلى هنا صدفة. الصوت ناداني. سأترك الشريط 13 مدفوناً في الأساس. من يجده سيفهم كل شيء.
انتهى الشريط.
شعرت ببرودة في شقتي الصغيرة رغم أن المكيف مطفأ. نزعت السماعات. كان هناك صمت ثقيل، وشعرت للحظة أن شقتي تصغي معي.
البحث عن الشريط الناقص
لم أستطع النوم. فتحت بيانات الشحنة. كان هناك عنوان إرجاع قديم مكتوب بخط اليد على جانب الصندوق الداخلي، في بلدة تسمى "الصفيرة"، وهي بلدة صحراوية مهجورة تقريباً الآن.
بحثت عن الاسم. وجدت مقالاً قديماً من أرشيف صحيفة محلية: رجل مسن يدعى "منصور الحداد" بنى بيتاً بمفرده في الصفيرة في الثمانينيات واختفى. ابنه الوحيد اسمه "ماهر".
م.ح. ماهر الحداد.
اتصلت برقم الهاتف الذي أرسل الطلب، لم يرد. أرسلت له:
— الشريط 13 غير موجود. هل تملكه؟
رد فوراً:
— لا تبحثي عنه. سأرسل لك باقي المبلغ ولا تكملي.
لكنني أكملت. فتحت الشريط 14.
لم يكن صوت الرجل العجوز.
كان صوتي أنا.
نفس الجملة التي قلتها قبل يومين وأنا أسجل ملاحظة لنفسي: “لم يكن الشريط فارغاً، كان يتنفس.”
توقفت أنفاسي. لم أسجل هذه الجملة في أي شريط. قلتها بصوت عالٍ في غرفتي وحدي.
كيف وصلت إلى الشريط 14 الذي سُجل قبل 40 عاماً؟
المواجهة
يدي ترتجف وأنا أضع الشريط 15، 16، 20... كلها لم تعد يوميات الرجل. كلها مقاطع قصيرة بصوتي أنا، بأفكاري التي فكرت بها أثناء الاستماع. جملة قلتها لأمي في الهاتف، همهمة لحن كنت أدندن به في المطبخ أمس.
المكان في التسجيلات كان يحفظ صوتي أنا الآن.
في الشريط 30، وهو الأخير، عاد صوت الرجل العجوز، لكنه كان هادئاً جداً، كأنه أخيراً فهم:
— إذا كنت تسمع هذا، فأنت الساكن الجديد. البيوت التي تُبنى فوق أماكن قديمة لا تريد جدراناً، تريد ذاكرة. تريد أحداً يبقى ويستمع. أنا بقيت. والآن حان دورك. لا تبحث عن الشريط 13، لأنه ليس تسجيلاً. الشريط 13 هو الأساس نفسه. هو الفراغ تحت البيت.
فهمت الخدعة. لم يكن هناك بيت في الصحراء. كان هناك فراغ يتظاهر بأنه بيت. فراغ يتعلم أصوات من يسكنه ليبقى حياً. والرجل لم يختفِ، هو اندمج. أصبح جزءاً من الصدى.
وفي تلك اللحظة، سمعت طرقة خفيفة تأتي من تحت أرضية شقتي.
ليست من شقتي. أنا أسكن في الطابق الثالث.
كانت الطرقة من داخل التسجيل، لكنها بدت كأنها من تحت قدمي مباشرة.
أغلقت اللابتوب. أخذت الصندوق كله ووضعته في الشرفة، وقررت أن أعيده غداً صباحاً دون تفريغ.
في الصباح، كان الصندوق فارغاً. كل الأشرطة اختفت. بقي شريط واحد فقط على طاولتي، لم أره من قبل. ملصق عليه مكتوب بخط يدي، لكنني لا أذكر أنني كتبته.
كان مكتوباً عليه: 31.
لم أضغط زر التشغيل.
Keep up with Youssef Ahmed
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
Sign in to report an article

Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment