افضل الاعضاء تقيما هذا الاسبوع
عبرت الشط على مودك

عبرت الشط على مودك

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

عبرت الشط على مودك.. حكاية أم اختصرها نهر دجلة في أغنية

image about عبرت الشط على مودك

في إحدى المناطق القريبة من نهر دجلة، كانت تعيش أم عراقية مع طفلها الصغير. لم تكن تملك من الدنيا الكثير، لكنها كانت تملك أغلى ما يمكن أن تملكه أم: طفلها.

كان الصغير لا يزال رضيعًا، وكانت الأم تتحمل وحدها مسؤولية حياته. وفي يوم من الأيام، جاء الفيضان أقوى مما اعتاد عليه أهل المنطقة، وبدأت المياه تقترب من البيوت، بينما أصبح الخطر يحيط بالأم وطفلها من كل جانب.

لم يكن أمامها وقت للتفكير.

كان عليها أن تختار بين البقاء وانتظار مصير مجهول، أو محاولة الوصول إلى الضفة الأخرى وهي تحمل طفلها، رغم أن عبور النهر في تلك الظروف كان مغامرة شديدة الخطورة.

اختارت الأم طفلها.

حملته بكل ما لديها من قوة، وبدأت رحلة العبور. كانت الأمواج تضربها، والمياه تجعل الحركة أكثر صعوبة، لكنها لم تكن تفكر في نفسها. كان كل ما يشغلها أن يبقى طفلها آمنًا.

كان الصغير فوق رأسها، وكانت هي تصارع الماء من أجله.

كل خطوة كانت تعني خوفًا جديدًا، وكل لحظة كانت تحمل احتمالًا مختلفًا، لكنها استمرت حتى وصلت إلى الضفة الأخرى.

نجا الطفل.

وربما في تلك اللحظة لم تكن الأم تعرف أن ذلك العبور سيصبح، في الحكاية الشعبية المتداولة، رمزًا لكل ما ستفعله من أجله طوال حياتها.

سنوات التضحية

مرت السنوات وكبر الطفل.

عملت الأم من أجل أن توفر له حياة أفضل، وسهرت على تربيته وتعليمه، وتحملت ظروف الحياة الصعبة حتى أصبح شابًا قادرًا على الاعتماد على نفسه.

كانت ترى في نجاحه ثمرة لكل تعبها.

كانت تتذكر السنوات التي لم تنم فيها، والأيام التي تحملت فيها الفقر، واللحظة التي حملته فيها فوق رأسها وهي تعبر النهر.

بالنسبة إليها، لم يكن ابنها مجرد طفل كبر؛ كان هو الحياة التي ضحت من أجلها.

لكن السنوات تحمل أحيانًا مفاجآت لا يتوقعها الإنسان.

كبر الابن وأصبح قادرًا على بناء حياته الخاصة، وتغيرت الظروف من حوله. وفي الرواية المتداولة، انتهى الأمر بالأم إلى دار للمسنين، لتجد نفسها وحيدة بعد أن كرست عمرها كله من أجل ابنها.

وهنا تتحول الحكاية من قصة نجاة إلى قصة عتاب.

فالأم التي عبرت النهر من أجله أصبحت تنتظر من يتذكرها.

من الحكاية إلى الأغنية

من هنا جاء ارتباط هذه القصة بأغنية «عبرت الشط على مودك» في الذاكرة الشعبية. فالجملة الرئيسية تحمل معنى التضحية: «مودك» في اللهجة العراقية تعني «من أجلك».

ولهذا يرى المستمع أن عبور الشط ليس مجرد عبور لنهر، وإنما صورة رمزية لكل ما فعلته الأم من أجل ابنها.

وتُنسب كلمات الأغنية إلى الشاعر العراقي عزيز الرسام، بينما ارتبطت شهرتها بصورة كبيرة بأداء كاظم الساهر. وتذكر بعض المصادر أن الساهر أراد أن تصل الأغنية إلى الجمهور بوصفها تعبيرًا عن تضحية الأم العراقية والعربية، رغم أن كثيرًا من المستمعين فهموها في البداية باعتبارها أغنية عاطفية بين عاشق ومحبوبته.

لماذا أثرت الأغنية في الناس؟

ربما لأن كلماتها تفتح سؤالًا مؤلمًا: ماذا يحدث عندما يعطي الإنسان كل ما لديه لشخص يحبه، ثم لا يجد التقدير؟

الأغنية لا تتحدث فقط عن عبور الماء، وإنما عن عبور العمر كله من أجل شخص واحد.

الأم عبرت النهر، ثم عبرت سنوات الفقر والتعب والسهر، وكل ذلك من أجل طفلها.

ولهذا أصبحت الأغنية عند كثير من المستمعين أكثر من مجرد لحن جميل؛ أصبحت تذكيرًا بقيمة الأم، وبأن وراء كل أم حكايات من التضحية قد لا نعرف عنها شيئًا.

الحقيقة وراء الحكاية

ومع قوة القصة وانتشارها، من المهم الإشارة إلى أنها رواية شعبية متداولة وليست حقيقة موثقة بشكل قاطع. فقد أشارت مصادر بحثت في أصل الأغنية إلى عدم وجود دليل موثوق يثبت أن حادثة الأم والفيضان هي التي ألهمت النص مباشرة.

ومع ذلك، بقيت الحكاية قريبة من قلوب الناس؛ لأنها تحمل معنى إنسانيًا صادقًا، سواء كانت هي القصة الأصلية للأغنية أم لا.

وهكذا بقي «عبرت الشط على مودك» عملًا يفتح بابًا للحديث عن الأم والتضحية والوفاء، ويجعل المستمع يتوقف لحظة ليسأل نفسه: هل نقدّر من ضحوا من أجلنا قبل أن يصبح تقديرهم متأخرًا؟

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
mohamed elsayed تقييم 5 من 5.
المقالات

21

متابعهم

10

متابعهم

14

مقالات مشابة
-