حين عاد الصوت من الماضي

حين عاد الصوت من الماضي

تقييم 5 من 5.
2 المراجعات

#  حين عاد الصوت من الماضي

في ليلة شتوية هادئة، كان مالك يقود سيارته عائدًا إلى منزله، عندما رن هاتفه برقم غريب.

نظر إلى الشاشة للحظات، ثم أجاب.

جاءه صوت فتاة مرتبك:

«آسفة… واضح إني اتصلت برقم غلط.»

قال مالك مبتسمًا: «ولا يهمك.»

ثم أغلقت المكالمة.

كان من المفترض أن تنتهي الحكاية عند تلك اللحظة.

لكن بعد دقائق، رن الهاتف مرة أخرى.

كان الرقم نفسه.

قالت الفتاة: «أنا آسفة مرة تانية، بس شكلي حفظت الرقم غلط.»

ضحك مالك وقال: «واضح إن الرقم ده مصمم يدخل حياتك النهارده.»

ضحكت الفتاة، وكانت تلك أول مرة يسمع فيها مالك ضحكتها.

قالت: «اسمي ريم.»

ومن تلك اللحظة بدأت أغرب علاقة في حياته.

لم يلتقِ مالك بريم، ولم يعرف حتى شكلها في البداية. كان كل ما يجمعهما هو الهاتف.

كانا يتحدثان لساعات طويلة عن كل شيء تقريبًا. عن أحلامهما، عن مخاوفهما، عن الأشياء التي يتمنيان تحقيقها، وحتى عن تفاصيل الأيام العادية التي لا يهتم بها أحد.

مع الوقت، أصبح مالك ينتظر مكالمتها كل ليلة.

وأصبحت ريم تعرف من نبرة صوته إن كان يومه جيدًا أم سيئًا.

وفي إحدى الليالي، قالت له:

«غريبة أوي إن شخص ممكن يحس إنه قريب من حد عمره ما شافه.»

أجابها:

«يمكن القرب الحقيقي مش بالعين.»

سكتت قليلًا ثم قالت:

«يمكن.»

بعد عدة أشهر، قررا أن يلتقيا للمرة الأولى.

اختارا مقهى صغيرًا في شارع هادئ، واتفقا على الساعة السادسة مساءً.

وصل مالك قبل الموعد بعشرين دقيقة.

جلس بالقرب من النافذة، وكل دقيقة كان ينظر إلى الباب.

مرت السادسة.

ثم السادسة والنصف.

ثم السابعة.

لم تأتِ ريم.

اتصل بها.

الهاتف مغلق.

حاول مرة أخرى.

لا إجابة.

عاد إلى منزله وهو يشعر بالغضب والحزن في الوقت نفسه.

وفي اليوم التالي، اتصل بها عشرات المرات.

الهاتف مغلق.

مرت أيام.

ثم أسابيع.

لم يعرف ماذا حدث.

وفي النهاية أقنع نفسه بأنها لم تكن جادة، وأن كل الكلمات التي قالتها له لم تكن تعني شيئًا.

حاول أن ينساها.

مر عام.

ثم عام آخر.

تغيرت حياة مالك. حصل على وظيفة جديدة، وانتقل إلى مدينة أخرى، وأصبح أكثر انشغالًا.

لكنه احتفظ بشيء واحد.

تسجيل صوتي قديم لريم كانت قد أرسلته له في إحدى الليالي.

لم يكن التسجيل يحتوي على شيء مهم، مجرد ضحكتها وهي تحكي له عن يومها.

كان يسمعه أحيانًا دون أن يعرف لماذا.

وبعد خمس سنوات، وبينما كان مالك يرتب هاتفًا قديمًا وجد التسجيل من جديد.

ضغط عليه.

عاد صوت ريم.

لكن هذه المرة، لاحظ شيئًا لم ينتبه إليه سابقًا.

في نهاية التسجيل، بعد أن ظن أنها أنهت الكلام، كان هناك صوت بعيد يقول:

«ريم، لازم نمشي دلوقتي.»

ثم ردت ريم بصوت منخفض:

«بس أنا لسه مستنية المكالمة.»

توقف مالك.

عاد إلى التسجيل مرة أخرى.

ثم مرة ثالثة.

تذكر يوم الموعد.

وتساءل لأول مرة:

هل كانت ريم فعلًا تريد مقابلته؟

بدأ يبحث عنها من جديد.

استغرق الأمر أسابيع، لكنه وجد حسابًا قديمًا يحمل اسمها.

كانت ريم تعمل في مجال التصوير، وتعيش في مدينة بعيدة.

أرسل لها رسالة قصيرة.

«هل أنتِ ريم التي اتصلت بي منذ سنوات بسبب رقم خاطئ؟»

ظل ينتظر.

بعد ساعات، جاء الرد:

«مالك؟»

تجمد أمام الشاشة.

كتب:

«أيوه.»

جاء الرد بعد دقائق:

«أنا كنت فاكرة إنك كرهتني.»

سألها:

«إنتِ ليه مجيتيش يومها؟»

تأخرت في الرد.

ثم كتبت:

«والدي دخل المستشفى قبل الموعد بساعات. اضطرينا نسافر فورًا، وهاتفي ضاع في الطريق. لما رجعت، حاولت أوصل لك، لكن الرقم اللي كنت محتفظة بيه كان اتغير.»

قرأ مالك الرسالة أكثر من مرة.

كل السنوات التي قضاها وهو يعتقد أنها تركته، لم تكن سوى سوء فهم كبير.

كتب لها:

«ليه ما حاولتيش تدوري عليا أكتر؟»

أجابت:

«دورت… بس لما ملقتكش، قلت إنك قررت تنساني.»

شعر مالك بالندم.

لم يكن أي منهما مخطئًا تمامًا.

كانا فقط شخصين تركا الصمت يتحدث بدلًا منهما.

بعد أيام من الرسائل والمكالمات، اتفقا على اللقاء.

هذه المرة لم يختارا مقهى.

اختارا محطة القطار التي كانت ريم تمر بها دائمًا في طفولتها.

وصل مالك قبل الموعد بدقائق.

كان قلبه يخفق بقوة.

ثم ظهرت ريم.

توقفت أمامه.

للحظات لم يعرف أي منهما ماذا يقول.

قالت ريم بابتسامة صغيرة:

«صوتك طلع شبه ما تخيلته.»

ضحك مالك وقال:

«وأنتِ طلعتِ متأخرة زي ما توقعت.»

ضحكت.

ثم جلسا معًا على أحد المقاعد.

لم يحاولا تعويض السنوات الخمس في يوم واحد.

تحدثا ببساطة عن كل ما حدث.

عن الأحلام التي تغيرت، وعن الأشخاص الذين دخلوا حياتهما، وعن الأشياء التي خسراها، وعن الشيء الوحيد الذي بقي رغم كل شيء.

قالت ريم:

«تفتكر لو المكالمة الأولى ما كانتش بالغلط، كان ممكن نتقابل؟»

نظر مالك إليها وقال:

«يمكن… بس أنا شايف إن بعض الأخطاء بتوصلنا لأماكن عمرنا ما كنا هنوصلها بإرادتنا.»

ابتسمت ريم.

وفي طريق العودة، رن هاتف مالك.

نظر إلى الشاشة، ثم أغلقه.

سألته ريم:

«مش هترد؟»

قال:

«لا… المرة دي عندي حد أهم أتكلم معاه.»

ضحكت ريم.

وهكذا بدأت قصة حب لم تبدأ من نظرة، ولا من لقاء، ولا من مكان جميل.

بدأت برقم خاطئ.

ثم ضاعت بسبب سوء فهم.

وعادت بعد خمس سنوات لأن شخصين اكتشفا أن المشاعر الحقيقية لا يكفي أن نشعر بها فقط، بل يجب أن نمتلك الشجاعة لنسأل، ونوضح، ونتمسك بمن يعني لنا شيئًا.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد مالك يخاف من المكالمات التي تأتي من أرقام غريبة.

فأحيانًا، قد يأتي أجمل شيء في حياتك من خطأ صغير…

فقط لأن القدر قرر أن يمنحك فرصة ثانية.

 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Hafsa تقييم 4.99 من 5.
المقالات

33

متابعهم

96

متابعهم

248

مقالات مشابة
-