موعد عند آخر محطة
# موعد عند آخر محطة
كان يوسف في الثانية عشرة من عمره عندما قابل نور للمرة الأولى.
لم يكن اللقاء رومانسيًا كما تصف الروايات، ولم يكن هناك شيء استثنائي في ذلك اليوم. كانا طفلين يجلسان في المقعد نفسه داخل قطار مزدحم، في طريقهما إلى مدينة ساحلية لقضاء العطلة.
كانت نور تحمل دفترًا صغيرًا وترسم فيه البيوت والأشجار التي تظهر من نافذة القطار، بينما كان يوسف يحاول معرفة ماذا تفعل.
سألها: «إنتِ بترسمي الناس كمان؟»
رفعت رأسها وقالت: «أحيانًا… بس الناس أصعب من البيوت.»
ضحك يوسف وقال: «ليه؟»
أجابت: «البيت بيقف مكانه، لكن الناس بتتغير.»
لم يفهم يوسف معنى كلامها وقتها.
خلال الرحلة أصبح الاثنان صديقين بسرعة. تحدثا عن المدرسة، وعن أحلامهما، وعن الأماكن التي يتمنيان زيارتها عندما يكبران.
وقبل أن يصل القطار إلى المحطة الأخيرة، قالت نور وهي تنظر من النافذة:
«لو اتفرقنا، نتقابل هنا تاني.»
ابتسم يوسف وسألها: «إمتى؟»
فكرت قليلًا، ثم قالت: «لما نكبر.»
مد يوسف يده إليها وقال: «وعد؟»
صافحته نور وقالت: «وعد.»
بعد انتهاء العطلة، عاد كل منهما إلى حياته.
في البداية تبادلا الرسائل، ثم أصبحت الرسائل أقل، وبعدها انقطعت تمامًا.
كبر يوسف، وانتقلت عائلته إلى مدينة أخرى، وانشغل بالدراسة والعمل. أما نور، فقد تركت مدينتها أيضًا، وأصبحت تدرس الفن والتصوير.
مرت السنوات.
لم ينسَ يوسف ذلك الوعد، لكنه لم يكن يتحدث عنه مع أحد.
وفي يوم من الأيام، وبعد خمسة عشر عامًا، عاد يوسف إلى المدينة الساحلية لإنهاء بعض الأعمال.
وبينما كان يسير بالقرب من محطة القطار القديمة، توقف فجأة.
كانت المحطة قد تغيرت كثيرًا، لكن المقعد الخشبي الذي جلس عليه مع نور ما زال موجودًا.
جلس يوسف للحظات، وشعر بأن السنوات اختفت فجأة.
أخرج هاتفه، ثم ضحك على نفسه.
«أكيد مستحيل تكون فاكرة.»
لكن شيئًا داخله دفعه إلى الانتظار.
مرت عشر دقائق.
ثم نصف ساعة.
لم يحدث شيء.
وقف يوسف ليستعد للمغادرة، لكنه لمح شيئًا معلقًا على لوحة الإعلانات بجوار المقعد.
كانت هناك صورة لمحطة القطار القديمة.
وتحت الصورة جملة:
«بعض الأماكن لا تنتظر أحدًا… لكنها تحتفظ بمن مروا بها.»
كان أسفلها اسم المصورة: نور.
تجمد يوسف في مكانه.
بحث عن معرض الصور، فعرف أنه سيقام في مركز ثقافي قريب في نفس المساء.
ذهب إلى هناك.
كانت القاعة مليئة بالصور: شوارع، محطات، بيوت قديمة، وأشخاص غرباء.
لكن إحدى الصور جعلته يتوقف تمامًا.
كانت صورة لطفلين يجلسان بجوار نافذة قطار.
لم تكن الصورة واضحة من الخلف، لكنها كانت تحمل تفاصيل يعرفها جيدًا.
المقعد.
النافذة.
الدفتر الصغير.
وحتى اللعبة التي كان يحملها يومها.
قرأ الوصف أسفل الصورة:
«أحيانًا نكبر وننسى وجوهًا كثيرة، لكننا لا ننسى الشخص الذي جعلنا نصدق أن الوعد يمكن أن يعيش أطول من العمر.»
شعر يوسف بأن قلبه يخفق بقوة.
وفجأة سمع صوتًا خلفه:
«لسه فاكر؟»
استدار.
كانت نور تقف أمامه.
لم تعد الطفلة التي عرفها، لكنها كانت تحمل نفس الابتسامة الهادئة.
لم يعرف يوسف ماذا يقول.
قالت نور: «أنا رجعت للمحطة أكتر من مرة.»
سألها: «ليه؟»
ابتسمت وقالت: «عشان أشوف إذا كنت هتفتكر الوعد.»
خفض يوسف عينيه للحظة، ثم قال:
«وأنا كنت فاكر إنك نسيتي.»
ردت بهدوء:
«أنا نسيت حاجات كتير… بس الوعد ده لأ.»
جلس الاثنان أمام الصورة طويلًا، وتحدثا عن السنوات التي مرت، عن المدن التي عاشا فيها، وعن الأحلام التي تحققت والأخرى التي تغيرت.
لم يحاولا استعادة الماضي.
كانا يعرفان أن خمسة عشر عامًا لا يمكن اختصارها في ليلة واحدة.
لكن شيئًا جديدًا بدأ في تلك اللحظة.
لم يكن حبًا طفوليًا يعود كما كان، بل كان فرصة ليتعرف شخصان بالغان على بعضهما من جديد.
وعندما خرجا من المعرض، كان القطار الأخير يستعد للمغادرة.
نظر يوسف إلى نور وقال:
«المرة دي مش هسيب القطار يمشي وأنا واقف.»
ضحكت نور وقالت:
«ولا أنا.»
ركبا القطار معًا.
ومع تحركه ببطء، نظرت نور من النافذة، ثم قالت:
«فاكر لما قلت لك إن الناس بتتغير؟»
ابتسم يوسف وقال:
«أيوه.»
قالت: «طلعت غلطانة.»
سألها: «إزاي؟»
نظرت إليه وقالت:
«الناس بتتغير فعلًا… لكن أحيانًا تتغير لحد ما تبقى مستعدة ترجع للحاجة اللي كانت بتحبها من البداية.»
تحرك القطار نحو المدينة البعيدة، بينما بقيت المحطة خلفهما.
هذه المرة لم يكن يوسف ونور طفلين يقطعان وعدًا بالمستقبل.
كانا شخصين يعرفان قيمة الوقت، ويعرفان أن أجمل الفرص ليست دائمًا التي تأتي في موعدها، بل تلك التي تمنحنا الحياة فرصة ثانية لنعيشها بشكل أفضل.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح المقعد القديم في المحطة بالنسبة لهما أكثر من مجرد قطعة خشب.
كان المكان الذي بدأ فيه وعد صغير…
وانتهى بحكاية حب لم يكن الزمن قادرًا على محوها.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق