المقعد رقم 17

المقعد رقم 17

تقييم 5 من 5.
2 المراجعات

# المقعد رقم 17

كل صباح في الساعة السابعة وعشر دقائق، كانت سلمى تستقل الحافلة نفسها المتجهة إلى وسط المدينة.

كانت تختار المقعد رقم 17 دائمًا، ليس لأنه مريح أو قريب من النافذة، بل لأنه كان آخر مكان تجلس فيه قبل أن تبدأ يومًا طويلًا من الدراسة والعمل.

وفي أحد الأيام، صعد شاب إلى الحافلة متأخرًا، ونظر حوله بحثًا عن مقعد فارغ.

كان المقعد الوحيد المتاح بجوار سلمى.

قال بأدب: «ممكن أقعد هنا؟»

أومأت برأسها دون أن ترفع عينيها عن الكتاب الذي كانت تقرؤه.

جلس الشاب، وبعد دقائق قليلة أخرج دفترًا صغيرًا وبدأ يكتب شيئًا.

لم تهتم سلمى في البداية، لكن الفضول دفعها إلى النظر سريعًا.

كان يرسم الحافلة من الداخل.

وفي اليوم التالي، رأته مرة أخرى.

جلس بجوارها.

وفي اليوم الذي يليه أيضًا.

وبمرور الأيام، أصبح وجوده جزءًا من صباحها.

عرفت أن اسمه ياسين، وأنه يعمل في مكتب هندسي قريب من مكان عملها. وعرف أنها تحب الكتب، وأنها دائمًا تشرب الشاي بدل القهوة، وأنها عندما تكون متوترة تحرك أصابعها فوق غلاف الكتاب دون أن تشعر.

لم تكن بينهما علاقة واضحة.

مجرد حديث قصير كل صباح.

«صباح الخير.»

«صباح النور.»

«خلصتي الكتاب؟»

«لسه.»

ثم يبتسمان، ويعود كل واحد إلى عالمه.

لكن شيئًا ما كان يتغير.

في أحد الصباحات، لم يأتِ ياسين.

جلست سلمى في المقعد رقم 17 وحدها، وظلت تنظر إلى باب الحافلة كلما توقفت في محطة جديدة.

قالت لنفسها إنه ربما تأخر.

لكن اليوم انتهى دون أن يظهر.

وفي اليوم التالي لم يظهر أيضًا.

ولا اليوم الذي بعده.

مر أسبوع كامل.

بدأت سلمى تشعر بقلق لم تكن تريد الاعتراف به.

لم تكن تعرف عنوانه، ولا رقم هاتفه، ولا حتى اسم الشركة التي يعمل بها.

كانت تعرف فقط أنه يستقل الحافلة نفسها.

وفي صباح اليوم الثامن، وجدت على المقعد بجوارها دفترًا صغيرًا.

عرفته فورًا.

فتحته بحذر.

كانت الصفحات مليئة برسومات لأشخاص وأماكن مختلفة.

ثم وصلت إلى صفحة جعلتها تتوقف تمامًا.

كانت هناك رسمة لها.

كانت تجلس في المقعد رقم 17، تقرأ كتابًا، وضوء الصباح ينعكس على وجهها.

أسفل الرسم كتب ياسين:

«لا أعرف متى أصبح هذا المقعد أجمل مكان في المدينة.»

قلبت الصفحة.

وجدت رسمة أخرى لها وهي تبتسم.

وتحتها:

«هي لا تعرف أن ابتسامتها تجعل الطريق أقصر.»

استمرت في تقليب الصفحات، وكل صفحة كانت تكشف شيئًا لم يقله ياسين بصوت مرتفع.

ثم وصلت إلى الصفحة الأخيرة.

لم تكن هناك رسمة.

كانت مجرد رسالة.

كتب فيها:

«سلمى، لو وصل إليك هذا الدفتر، فمعناه أنني لم أستطع أن أقول لك الكلام الذي كان يجب أن أقوله منذ وقت طويل. حصلت على فرصة عمل في مدينة بعيدة، واضطررت إلى السفر بسرعة. كنت أريد أن أخبرك، لكنني خفت أن أفسد الشيء الجميل الذي كان يحدث بيننا. ربما كنت جبانًا، وربما كنت أنتظر اللحظة المناسبة. لكنني اكتشفت متأخرًا أن اللحظة المناسبة لا تأتي وحدها، نحن من نصنعها.»

توقفت سلمى عن القراءة.

شعرت أن عينيها امتلأتا بالدموع.

وفي نهاية الرسالة كتب:

«لو كنتِ ترغبين في أن تعرفي أين سأكون، سأعود يوم الجمعة القادم إلى الحافلة نفسها، في الساعة السابعة وعشر دقائق. وسأجلس في المقعد رقم 17. إذا لم تأتِ، سأفهم أنني كنت مجرد شخص عابر في صباحاتك.»

مر الأسبوع ببطء.

وفي صباح الجمعة، استيقظت سلمى قبل موعدها بوقت طويل.

لم تكن تعرف ماذا ستقول.

ولم تكن تعرف ماذا سيحدث.

لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط.

لن تسمح للخوف بأن يقرر بدلًا منها.

وصلت إلى المحطة قبل الحافلة بدقائق.

وعندما توقفت الحافلة، صعدت بسرعة.

كان المقعد رقم 17 فارغًا.

جلست.

مرت دقيقة.

ثم دقيقتان.

ثم بدأ قلبها يفقد الأمل.

وفجأة، صعد ياسين.

كان يحمل حقيبة سفر صغيرة.

نظر إلى المقعد رقم 17، ثم نظر إليها.

لم يقل شيئًا.

ابتسمت سلمى، وقالت:

«اتأخرت.»

ضحك ياسين وقال:

«كنت خايف ما ألاقيكيش.»

أجابت:

«وأنا كنت خايفة إنك ما ترجعش.»

جلس بجوارها.

ظل الصمت بينهما للحظات.

ثم قال:

«يعني… لسه عندي فرصة؟»

نظرت سلمى من النافذة، ثم ابتسمت:

«الفرص اللي بتتساب للوقت ممكن تضيع… بس أنت رجعت في الوقت المناسب.»

تحركت الحافلة.

وخارج النافذة كانت المدينة تستيقظ ببطء.

أما داخل المقعد رقم 17، فقد بدأت حكاية جديدة.

لم تكن حكاية حب مثالية.

ولم يكن فيها وعد بأن الطريق سيكون سهلًا.

لكن كان فيها شيء أهم:

شخصان قررا أخيرًا ألا يتركا الكلمات المهمة إلى وقت لاحق.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد المقعد رقم 17 مجرد مقعد في حافلة.

أصبح المكان الذي بدأت فيه قصة حب لأن شخصًا واحدًا امتلك الشجاعة أخيرًا ليقول ما يشعر به، وشخصًا آخر امتلك الشجاعة ليعود ويستمع.

 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Hafsa تقييم 4.99 من 5.
المقالات

33

متابعهم

96

متابعهم

248

مقالات مشابة
-