آخر الحكايات ..لأن بعض النهايات هي البدايات التي انتظرها القلب طويلًا

آخر الحكايات ..لأن بعض النهايات هي البدايات التي انتظرها القلب طويلًا

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about آخر الحكايات ..لأن بعض النهايات هي البدايات التي انتظرها القلب طويلًا

آخر الحكايات
لأن بعض النهايات هي البدايات التي انتظرها القلب طويلًا

لم تكن تعرف، وهي في السابعة عشرة، أن القلب لا يقع في الحب مرة واحدة ثم يهدأ، بل يتعلم كما يتعلم الجسد من الجراح، ويكبر من الألم أكثر مما يكبر من الفرح. كانت تظن أن الحب هو أن يمر أحدهم في حياتها فيأخذ معها كل شيء: انتباهها، وارتباكها، ونبضها الذي يسبق خطواته، حتى لو لم يلتفت إليها يومًا. كانت تراه من بعيد، تحفظ طريقة مشيه، ونبرة صوته حين يضحك مع أصدقائه، وتنتظر مرور اسمه في أي حديث كما ينتظر العطشان قطرة ماء. لم يعرف أنها أحبته، وربما لو عرف، لما تغيّر شيء. انتهت الحكاية قبل أن تكتمل، وبقي منها في قلبها أثر يشبه الندبة: لا يؤلم دائمًا، لكنه يذكّرها أن بعض البدايات خُلقت لتعلّمنا كيف نودّع.

ومرت السنوات، ومعها تغيّر كل شيء إلا ذلك الجزء الصامت في داخلها الذي صار أكثر حذرًا، وأكثر فهمًا، وأقل اندفاعًا. هذه المرة كان الدور عليها، وكان هناك شاب طيب يقترب منها بعينين لا تخفيان ما فيهما من تقدير واهتمام. كان ينظر إليها بالطريقة نفسها التي كانت هي تنظر بها إلى الأول يومًا ما، وكأن الحياة قررت أن تعيد المشهد لكن بأسماء مختلفة. رأت صدقه، واحترمت أخلاقه، وقدّرت لطفه، لكنها حين وضعت يدها على قلبها وجدت أنه لا يجيب. لم يكن في الأمر قسوة، ولا غرور، ولا رغبة في كسر خاطر أحد، بل حقيقة هادئة ومؤلمة: ليس كل من أحببناه أحبّنا، وليس كل من أحبّنا استطعنا أن نمنحه ما يستحق. قالت له ما استطاعت قوله بصدق، ودعت له من قلبها، ثم افترقا بلا خصام، وكأن القدر أراد أن يعلّمها أن الرفض أحيانًا يكون أرحم من الوعد الكاذب، وأن القلب حين لا يطمئن لا ينبغي أن يُجبر على ما لا يشبهه.

ثم جاء الحب الذي ظنت، في لحظة صدق نادرة، أنه الأخير. لم يكن مجرد إعجاب عابر، ولا حكاية تبدأ بالصدفة وتنتهي بالنسيان، بل كان لقاءً بدا كأنه جاء في الوقت المناسب تمامًا. التقت بمن أحبها وأحبته، ولأول مرة شعرت أن المشاعر لا تسير في اتجاه واحد، وأن القلب حين يجد من يشبهه لا يعود مضطرًا إلى الاختباء. كانت الأيام بينهما تمضي بخفة غريبة، والأحلام تُرسم على مهل، والحديث عن المستقبل يبدو بسيطًا وممكنًا، وكأن الحياة أخيرًا قررت أن تعوّضها عن كل ما سبق. لكنها لم تكن تعرف أن بعض الأبواب تُفتح فقط لتكشف لنا كم نحن ضعفاء أمام ما لا نملك دفعه. وقفت الظروف بينهما فجأة، بلا إنذار كافٍ، وبلا رحمة، حتى صار كل واحد منهما ذكرى جميلة في حياة الآخر. لم يكن الفراق بسبب نقص في الحب، بل بسبب شيء أكبر من الحب نفسه، شيء لا يُرى لكنه يقطع الطرق ويبدل المصائر. رحل ذلك الحب، لكنه لم يرحل خاليًا؛ ترك خلفه يقينًا موجعًا بأن المشاعر وحدها لا تكفي، وأن ما لم يأذن الله به لن يكتمل مهما اشتد التعلق ومهما صدقت النوايا.

بعدها أغلقت الصفحة. لم تعد تبحث عن أحد، ولم تعد تفتش في الوجوه عن ملامح تشبه أحلامها القديمة. صارت أكثر هدوءًا، وأكثر تسليمًا، كأنها فهمت أخيرًا أن القلب حين يتعب من الركض خلف ما لا يُكتب له، يتعلم أن ينتظر دون أن ينهار. وفي يوم عادي جدًا، لا يحمل أي علامة من علامات البدايات الكبرى، طرق باب بيتها رجل لم تكن تعرفه إلا قليلًا. لم يكن بينهما تاريخ طويل، ولا رسائل قديمة، ولا وعود خبأتها الأيام في الأدراج. لم يكن هناك شيء يشبه القصص التي تبدأ بالصدفة وتُبنى على الترقب، بل كان هناك وضوح بسيط، ونية صادقة، وخطوة جاءت في وقتها. تقدّم إليها، فاستخارت ربها، ولم تشعر هذه المرة بتلك الفوضى التي كانت تسبق قراراتها القديمة، بل بسكينة غريبة، كأن شيئًا في داخلها قال لها إن الطمأنينة أحيانًا لا تأتي بصوت عالٍ، بل بهدوء يشبه اليقين. وافقت، لا لأنها نسيت ما مضى، بل لأنها لم تعد تخاف من المستقبل كما كانت تخاف من الفراغ.

ومن هنا بدأت الحكاية الحقيقية، الحكاية التي لم تكن تشبه ما تخيلته يومًا، لكنها كانت أصدق مما تمنته. اكتشفت أن الحب ليس دائمًا شرارة تسبق الزواج، ولا دائمًا قصة طويلة من اللهفة والانتظار، بل قد يكون شيئًا ينمو ببطء بعد الزواج، مثل شجرة تعرف جذورها الطريق إلى الماء. مع الأيام، صار أقرب الناس إلى قلبها، وسندها حين تتعب، ورفيق ضحكتها حين تضيق الدنيا، وملاذها حين يشتد عليها التعب. لم يكن مثاليًا في كل شيء، ولم تكن هي كذلك، لكن بينهما شيء أثمن من الكمال: تفاهم يتسع، ورحمة تتجدد، وقلوب تعرف كيف تتجاوز العثرات دون أن تفقد دفئها. عندها فقط بدأت تتساءل كيف ظنت يومًا أن ما مضى كان هو الحب الكامل، وكيف بكت على أبواب أغلقت لتفتح لها أبوابًا أوسع وأجمل.

نسيَت كل الوجوه التي مرّت في حياتها، لا لأنها كانت سيئة، بل لأن الله عوّضها بما لم تكن تتخيله، وأعطاها من السكينة ما جعل الماضي يبدو بعيدًا، كأنه قصة قرأتها ولم تعد تخصها. وحين كانت تسمع من حولها يقولون: أنتم مثال للحب الحقيقي، كانت تبتسم في سرها، وتعرف أن الحقيقة أعمق من أن تُرى من الخارج. ثم تردد في قلبها، لا بصوت مسموع، بل بيقين لا يهتز: لو عاد بي الزمن، لما غيّرت شيئًا. لأن ما أخّره الله عني كان رحمة، وما اختاره لي كان أجمل من كل ما اخترته لنفسي.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
SOFIA تقييم 4.97 من 5.
المقالات

38

متابعهم

120

متابعهم

123

مقالات مشابة
-