الغرفة التي لا تنام

الغرفة التي لا تنام
لم يكن ياسين يؤمن بالأشباح، ولا بالحكايات التي يتداولها الناس عن البيوت المسكونة. كان يرى أن الخوف مجرد وهم يصنعه العقل عندما يكون الإنسان وحيدًا.
لكن كل شيء تغير في الليلة التي دخل فيها منزل جده القديم.
كان المنزل يقع في نهاية طريق ضيق تحيط به الأشجار من كل جانب. منذ وفاة جده، ظل المنزل مغلقًا لسنوات طويلة، حتى قرر ياسين أن ينتقل إليه مؤقتًا بعد أن حصل عليه بالميراث.
عندما فتح الباب لأول مرة، استقبله هواء بارد بشكل غريب، رغم أن الجو في الخارج كان دافئًا.
أضاء المصباح، لكنه ظل يومض باستمرار.
قال ياسين لنفسه:
"واضح إن الكهرباء هنا محتاجة تتصلح."
وضع حقيبته على الأرض وبدأ يتفقد المنزل.
كانت هناك غرفة في نهاية الممر، بابها خشبي قديم وعليه قفل حديدي ضخم.
اقترب ياسين منه، وحاول فتحه، لكنه لم يستطع.
وجد بجانب الباب ورقة صغيرة ملتصقة بالخشب.
كان مكتوبًا عليها بخط جده:
"إياك أن تفتح هذا الباب بعد منتصف الليل."
ضحك ياسين.
"حتى بعد ما مات، لسه بيحب يخوفني."
ترك الغرفة وصعد إلى الطابق العلوي.
في تلك الليلة، نام ياسين مبكرًا.
لكن عند الساعة الثالثة فجرًا، استيقظ على صوت طرق.
دق... دق... دق.
جلس على السرير وفتح عينيه.
كان الصوت قادمًا من الأسفل.
حاول تجاهله.
ثم جاء الطرق مرة أخرى.
دق... دق... دق.
هذه المرة كان الصوت أقوى.
نزل ياسين السلم ببطء، حتى وصل إلى الممر.
توقف عندما رأى باب الغرفة المغلقة.
كان القفل الحديدي يهتز وحده.
اقترب منه ياسين، وقلبه بدأ ينبض بسرعة.
ثم سمع صوتًا من خلف الباب.
صوتًا خافتًا جدًا.
"ياسين..."
تجمد في مكانه.
لم يتحرك.
ثم جاء الصوت مرة أخرى:
"ياسين... افتح."
تراجع خطوة إلى الخلف.
كان الصوت يشبه صوت جده تمامًا.
لكن جده مات منذ خمس سنوات.
هرب ياسين إلى غرفته وأغلق الباب خلفه.
ظل مستيقظًا حتى الصباح.
وفي ضوء الشمس، حاول إقناع نفسه أن ما حدث كان مجرد حلم.
لكن عندما نزل إلى الطابق السفلي، وجد شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقه.
كان القفل الحديدي على الأرض.
والباب مفتوحًا.
دخل ياسين الغرفة بحذر.
كانت الغرفة فارغة تقريبًا، باستثناء كرسي خشبي قديم وطاولة صغيرة عليها صندوق أسود.
فتح الصندوق.
وجد بداخله عشرات الصور القديمة.
صور لأشخاص لم يعرفهم.
لكن المفاجأة كانت أن جميع الصور كانت تحمل نفس الشيء.
كل شخص في الصورة كان يقف أمام باب الغرفة.
وفي أسفل كل صورة تاريخ مختلف.
ثم وجد صورة أخيرة.
كانت الصورة حديثة جدًا.
رفعها بيد مرتجفة.
كانت صورته هو.
كان واقفًا أمام باب الغرفة.
وفي الخلفية، خلفه مباشرة، كان هناك شخص طويل يرتدي ملابس سوداء.
استدار ياسين بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
سقطت الصورة من يده.
وفجأة أُغلق الباب خلفه.
حاول فتحه، لكنه لم يتحرك.
بدأت الغرفة تظلم تدريجيًا، رغم أن النافذة كانت مفتوحة.
ثم سمع صوت خطوات خلفه.
خطوة.
ثم أخرى.
اقترب الصوت منه ببطء.
لم يجرؤ على الالتفات.
ثم جاء الهمس بجوار أذنه:
"جدي قال لك ما تفتحش الباب."
أغمض ياسين عينيه.
كان الصوت هذه المرة صوته هو.
بعد لحظات، انفتح الباب فجأة.
خرج ياسين راكضًا من المنزل ولم يتوقف حتى وصل إلى الطريق الرئيسي.
في اليوم التالي، عاد مع بعض أهل القرية.
لكن عندما وصلوا إلى المنزل، لم يجدوا الغرفة.
كان الممر موجودًا، والجدران موجودة، لكن الباب اختفى تمامًا.
الأغرب من ذلك أن أهل القرية لم يصدقوا روايته.
وعندما أخبرهم عن الصور، تغيرت وجوههم.
قال رجل عجوز:
"أنت شفت الصور؟"
أجاب ياسين:
"أيوه."
اقترب الرجل منه وقال بصوت منخفض:
"يبقى الغرفة اختارتك."
سأل ياسين:
"اختارتني لإيه؟"
لم يجب الرجل.
فقط أخرج من جيبه صورة قديمة جدًا.
كانت صورة لجده وهو شاب.
وخلفه كان نفس الباب.
لكن هذه المرة كان الباب مفتوحًا.
وفي الصورة، كان هناك شخص يقف بداخله.
شخص يشبه ياسين تمامًا.
منذ ذلك اليوم، لم يعد ياسين إلى المنزل.
لكن بعد أسبوع، بدأ يسمع طرقًا على باب شقته الجديدة.
دق... دق... دق.
وفي كل مرة كان يفتح الباب، لا يجد أحدًا.
حتى جاءه ظرف أسود ذات ليلة.
فتح الظرف، فوجد صورة واحدة فقط.
كانت صورة للغرفة القديمة.
وفي أسفلها جملة مكتوبة:
"أنت خرجت من الغرفة... لكن الغرفة لم تخرج منك."
ومنذ ذلك الحين، كلما نام ياسين، كان يستيقظ عند الساعة الثالثة تمامًا.
وكل ليلة يسمع الطرق نفسه.
دق... دق... دق.
لكن هذه المرة لم يكن الصوت يأتي من خلف باب المنزل.
كان يأتي من داخل خزانته.
وفي إحدى الليالي، فتح ياسين الخزانة.
لم يجد ملابسه.
وجد ممرًا طويلًا مظلمًا.
وفي نهايته...
كان هناك باب خشبي قديم.
وبجانبه ورقة صغيرة.
اقترب منها وقرأ:
"قلت لك ألا تفتح الباب بعد منتصف الليل."
ثم انطفأ النور.
ومن داخل الممر جاء صوت جده للمرة الأخيرة:
"دلوقتي... دورك."
please login to be able to comment