صورة خلف زجاج تبدا منها قصه مشوقه

صورة خلف زجاج تبدا منها قصه مشوقه

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

في أواخر الخمسينات، كانت القاهرة مدينة مختلفة عن القاهرة اللي نعرفها دلوقتي؛ الشوارع أهدى، والناس تعرف بعضها، والمحلات الصغيرة ليها حكايات، والصور الفوتوغرافية لسه بالنسبة لناس كتير حاجة تشبه الاحتفال... صورة تتاخد في مناسبة، أو عشان تتبعت لحد مسافر، أو تتعلق في بيت وتفضل شاهدة على عمر كامل. وفي شارع جانبي هادي، كان فيه استوديو صغير فوق بابه يافطة مكتوب عليها: «استوديو سعيد». سعيد كان شابًا في أوائل الثلاثينات، ورث مهنة التصوير عن عمه، لكنه ما ورثش عنه الشغف؛ هو اللي صنع شغفه بنفسه. كان يحب الوجوه أكتر من الصور، وكان يقول دايمًا: «الصورة الحلوة مش اللي بتطلع فيها حلو... الصورة الحلوة اللي تفضل فاكر صاحبها حتى بعد ما يمشي».

وفي يوم من أيام الشتاء، دخلت الاستوديو بنت أجنبية اسمها إيفيلين. كانت جاية مصر من بلدها في ظروف ما كانتش تحب تحكي عنها كتير. كانت في أوائل العشرينات، ملامحها هادية، شعرها قصير على طريقة بنات الزمن ده، وملامحها فيها شيء غريب بين البراءة والتعب. ما كانتش جاية القاهرة عشان المغامرة ولا عشان السياحة؛ كانت محتاجة تشتغل، وتعيش، وتدفع تمن الأيام اللي كانت بتجري منها. كانت بتتكلم عربي مكسّر، لكن عندها إصرار يخليها توصل لأي حاجة عايزاها مهما كانت الكلمات قليلة.

وقفت قدام سعيد وقالت له إنها سمعت إنه أحيانًا بيصور بنات عشان يحط صورهم في واجهة الاستوديو، وإنها ممكن تشتغل موديل للصور لو محتاج. بص لها سعيد شوية، مش إعجابًا بالشكل بس، لكن كأنه كان بيحاول يفهم الحكاية اللي مستخبية ورا عينيها. قال لها: «ممكن... بس أنا بصور الناس زي ما هي، مش زي ما أحب أشوفها». ابتسمت وقالت: «وأنا مش عايزة أبقى حد تاني». كانت أول جملة تخليه يفتكرها بعد ما خرجت.

في اليوم التالي، وقفت قدام الكاميرا. سعيد ظبط الإضاءة، وطلب منها تبص ناحية الشباك، وبعدها قال لها: «بصيلي». بصت له، وضغط على زر الكاميرا. الصورة طلعت. فضل ساكت شوية وهو بيبص على الورقة، ثم حطها بعيد من غير ما يقول حاجة. إيفيلين سألته: «الصورة وحشة؟» قال لها: «لأ... عشان كده مش هقدر أحطها دلوقتي». ما فهمتش قصده، وأخدت أجرها ومشيت.

بعد كام يوم رجعت تسأله عن الصورة. كانت متوقعة تشوفها في الفاترينة، وسط الصور اللي بيحطها للزبائن والموديلات. لكنها ما لقتهاش. قالت له: «صورتي فين؟» قال: «لسه». قالت: «لسه إيه؟» قال وهو بيهرب بعينيه: «لسه مستني الوقت المناسب». ضحكت وقالت له: «دي صورة يا سعيد، مش جواز». ضحك هو كمان، لكن الحقيقة إن الصورة كانت عنده في درج مكتبه، وكل ليلة تقريبًا كان يطلعها ويبص لها. ما كانش عارف ليه، لكنه كان حاسس إن لو حطها في الفاترينة، الناس هتشوفها... وهو لأول مرة في حياته كان عايز يحتفظ بحاجة لنفسه.

وبدأت إيفيلين تيجي الاستوديو من غير سبب واضح. مرة عشان تسأل عن صورة، ومرة عشان تاخد فلوسها، ومرة عشان تقول له إنها شافت فستان حلو في محل قريب، ومرة تدخل وتقول: «أنا كنت معدية من هنا». وسعيد كان يعرف إنها ما كانتش معدية. كانت جاية له. وهو كمان كان كل يوم يفتح باب الاستوديو الصبح ويبص ناحية الشارع قبل ما يبدأ شغله، كأنه مستني واحدة بعينها من بين كل الناس.

الحب بينهم ما كانش فيه اعترافات كبيرة ولا وعود ولا خطابات طويلة. كان حبًا صغيرًا على قد الزمن اللي عاشوه. كوب شاي في آخر النهار، صورة ناقصة على المكتب، مشوار قصير لحد أول الشارع، وضحكة منها لما يغلط في نطق اسم إنجليزي. كانت إيفيلين تحكي له عن بلدها والبرد هناك والبحر والبيت اللي سابته، وكان سعيد يحكي لها عن القاهرة وعن أمه وعن حلمه إنه يوسع الاستوديو ويجيب كاميرا ألماني جديدة. وفي مرة سألته: «لو سافرت؟» سكت سعيد شوية وقال: «هتسافري؟» قالت: «يمكن». قال: «يبقى ليه بتسألي؟» قالت: «عشان أعرف لو حد هيفتقدني». بص لها سعيد وقال: «في ناس بتفتقدنا قبل ما نمشي».

كانت محتاجة الفلوس، وكانت إقامتها في مصر مرتبطة بظروف ما كانتش تملك التحكم فيها، وفي يوم دخلت الاستوديو وملامحها مختلفة. ما كانتش بتضحك. قالت له إن لازم تسافر. حاول يسألها إمتى، وفين، وليه، لكنها المرة دي ما كانتش عايزة تحكي. قال لها: «طب والصورة؟» قالت: «إنت لسه ما حطتهاش». ابتسمت وهي بتبص للفاترينة الفاضية من صورتها وقالت: «يمكن كنت مستني إني أمشي عشان تحطها». رد عليها: «يمكن كنت مستني إني أعرف إنها هتبقى آخر حاجة فاضلة منك».

في اليوم اللي قبل سفرها، جت له الاستوديو بدري. كانت لابسة فستان بسيط، وما كانش معاها غير حقيبة صغيرة. وقفت قدامه وقالت: «صورني». قال لها: «اتصورتي». قالت: «لأ... المرة دي عايزة صورة عشانك». فهم سعيد، لكنه ما عرفش يقول حاجة. قعدها قدام الخلفية البيضاء، وعدّل لها شعرها بحركة مرتبكة، وبعدين وقف ورا الكاميرا. وقبل ما يضغط الزر، قالت له: «سعيد... لو حطيت صورتي في الفاترينة، الناس هتشوفني». قال: «عارف». قالت: «وأنا عايزة حد واحد بس يفتكرني». ضغط الزر.

سافرت إيفيلين في اليوم التالي.

ما حصلش بينهم وعد بالرجوع، ولا حصلت معجزة بعدها، ولا وصلته رسالة طويلة تقول له إنها لسه بتحبه. الحياة أحيانًا بتكون أقسى من الحكايات، وبتعرف تاخد شخص من مكانه من غير ما تدي للناس فرصة يودعوه كما ينبغي. سعيد فضل في الاستوديو. كبر، واتجوز، وخلف، وكاميرته القديمة اتبدلت بكاميرات أحدث، والشارع نفسه اتغير، والناس اللي كانوا يعرفوه اختفوا واحدًا وراء الآخر.

لكن صورة إيفيلين فضلت عنده.

وفي يوم، بعد سنين طويلة، سأله واحد من أولاده: «هو إنت ليه سميت المكان استوديو إيفيلين؟» ابتسم سعيد، وبص ناحية الصورة القديمة المعلقة في مكان ما حدش يقدر يوصل له، وقال: «عشان فيه أسماء بنسمي بيها الأماكن... وأسماء الأماكن هي اللي بتفضل شايلة أصحابها».

كان ممكن يسميه باسم أمه، أو باسمه، أو باسم عيلته، لكنه اختار اسم بنت دخلت حياته في وقت قصير ومشت قبل ما يعرف حتى إذا كانت هترجع ولا لأ. «استوديو إيفيلين» ما كانش مجرد اسم على يافطة؛ كان الطريقة الوحيدة اللي عرف سعيد يقول بيها إنه في يوم من الأيام، كانت فيه بنت اسمها إيفيلين دخلت من الباب ده، وقفت قدام الكاميرا، وضحكت له، وسابت في قلبه صورة ما قدرش الزمن يحمّضها ولا يمسحها.

أما صورتها الأولى، اللي فضل مخبيها في الدرج سنين، فقد علّقها أخيرًا في الفاترينة.

لكن بعد ما كبرت المدينة، وبعد ما بقى قليل جدًا من الناس يعرفوا مين هي، كان سعيد كل ما يقف قدامها يقول لنفسه: «أنا ما علقتش صورتك عشان الناس تشوفك يا إيفيلين... أنا علقتها عشان لو نسيتِ القاهرة، تفضل القاهرة فاكرة إنك كنتِ هنا.»

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
SolTaN VIP تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-