سر اللحن الاخير

سر اللحن الأخير
مريم عمرها ما كانت بتحب الدوشة. كانت بتحب الهدوء، والأماكن اللي مفيهاش ناس كتير، ومحدش يسألها هي رايحة فين أو جاية منين.
وعشان كده، لما لقت شقة صغيرة في عمارة قديمة في شارع هادي، قررت إنها هتعيش فيها لوحدها وتبدأ من جديد.
الشقة كانت غريبة شوية، بس إيجارها كان مناسب، والعمارة هادية بشكل يخلي الواحد يحس إنه لوحده في الدنيا.
أول يومين عدوا عادي جدًا.
لكن في الليلة التالتة، كل حاجة اتغيرت.
مريم كانت نايمة، وفجأة صحيت على صوت موسيقى.
فتحت عينيها وبصت حواليها.
في الأول افتكرت إن حد مشغل أغاني في الشارع، لكن لما ركزت، اكتشفت إن الصوت قريب جدًا.
قريب لدرجة إنه كان جاي من الحيطة اللي جنب سريرها.
بيانو.
لحن هادي وحزين، بس كان جميل بشكل غريب.
مريم فضلت قاعدة تسمعه، وكل ما اللحن يكمل كانت بتحس إن فيه حاجة جواها بتتشد ناحيته، كأنها سمعت الموسيقى دي قبل كده.
وفجأة...
اللحن وقف.
من غير نهاية.
تاني يوم الصبح، وهي نازلة، سألت البواب:
"عمو، هو مين ساكن في الشقة اللي جنبي؟"
بصلها باستغراب وقال:
"الشقة اللي على يمينك؟"
"أيوه."
سكت شوية، وبعدها قال:
"محدش."
ضحكت مريم.
"إزاي يعني محدش؟ أنا سمعت بيانو امبارح."
وش البواب اتغير.
"إنتي سمعتي مزيكا؟"
"أيوه."
قرب منها وقال بصوت واطي:
"الشقة دي مقفولة بقالها سنين."
سألته مريم عن صاحبها، وبعد زن كتير منه، قال لها:
"كان اسمه يوسف نادر... موسيقار. اختفى من العمارة دي من سنين، وبعدها اتقال إنه مات."
من اللحظة دي، مريم بدأت تحس إن الموضوع مش طبيعي.
خصوصًا لما الموسيقى رجعت في نفس المعاد الليلة اللي بعدها.
واللي بعدها.
واللي بعدها.
نفس اللحن.
نفس الأربع نغمات في النهاية.
بدأت مريم تدور على يوسف.
فتشت على الإنترنت، وسألت ناس قديمة في المنطقة، وحتى راحت مكتبة قديمة كانت بتحتفظ بجرايد وصور زمان.
وهناك لقت تسجيل قديم لمقابلة مع يوسف.
شغلت التسجيل.
ظهر صوته هادي، لكنه كان واضح إنه خايف.
قال:
"في ألحان بتتكتب عشان الناس تسمعها... وفي ألحان بتتكتب عشان تخبي حاجة."
سكت شوية، وبعدها قال:
"واللحن الأخير... مش هيفهمه غير الشخص اللي أنا كتبته عشانه."
مريم فضلت باصة للشاشة.
مين الشخص ده؟
وليه حاسة إن الموضوع ليه علاقة بيها؟
في نفس الليلة، رجعت الشقة، وقعدت تستنى.
الساعة وصلت تلاتة وسبع دقايق.
اللحن بدأ.
لكن المرة دي، مريم ما اكتفتش بالسماع.
كتبت الأربع نغمات اللي بتتكرر في آخره.
وبعدين افتكرت إن عندها بيانو صغير كانت جايباه زمان.
قعدت قدامه وعزفت نفس النغمات.
وفجأة...
سمعت صوت نقرة جاية من الحيطة.
قامت بسرعة.
فضلت تخبط على الحيطة لحد ما اكتشفت مكان فاضي ورا لوحة قديمة.
شالت اللوحة.
كان فيه تجويف صغير.
جواه مفتاح وورقة.
فتحت الورقة بإيد بتترعش.
كان مكتوب:
"لو وصلتي للحن ده، يبقى الوقت جه تعرفي الحقيقة."
مريم فضلت واقفة مكانها.
المفتاح كان بيفتح باب الشقة المقفولة.
ترددت كتير، لكن في الآخر نزلت وفتحت الباب.
الشقة كانت مليانة نوتات موسيقية، صور، وأشرطة تسجيل قديمة.
وفي نص المكان كان فيه بيانو أسود.
وفوقه دفتر.
فتحته.
أول صفحة كانت مكتوب فيها اسم واحد:
مريم.
قلبها وقع.
كملت قراءة.
"مريم، لو إنتي بتقري الكلام ده، يبقى أبوكي لسه مخبي عنك كل حاجة."
شهقت.
أبوها؟
قلبت الصفحات بسرعة، لحد ما وقعت من الدفتر صورة قديمة.
التقطتها.
الصورة كانت ليوسف واقف جنب رجل تاني.
مريم اتجمدت.
الرجل كان أبوها.
لكن كان فيه حاجة أغرب.
على ظهر الصورة مكتوب:
"أنا وأبوكي اتفقنا إنك تعرفي الحقيقة لما تكبري."
مريم قعدت على الأرض، ودموعها نزلت من غير ما تحس.
قلبت آخر صفحة.
كان فيها تسجيل صغير مثبت في الدفتر.
شغلته.
ثواني من الصمت مرت.
وبعدين سمعت صوت يوسف:
"مريم... لو بتسمعي صوتي دلوقتي، يبقى اللحن وصلك."
بدأت تبكي.
"أبوكي عمره ما كان السبب في اللي حصل. بالعكس... هو ضحى بحياته وسمعته عشان يحميكي."
مريم قربت من التسجيل.
يوسف كمل:
"كان فيه ناس عايزة تاخد اللحن الأخير مني، لأنه كان فيه دليل على حاجة حصلت من سنين. أبوكي خبّى الدليل، وأنا خبّيت اللحن. وكنا متفقين إن يوم ما تسمعيه، يبقى خلاص... تقدري تعرفي الحقيقة."
سكت يوسف للحظة.
وبعدين قال:
"وأهم حاجة لازم تعرفيها... إن أبوكي كان عارف إنك هتسمعي اللحن في يوم من الأيام. عشان كده طلب مني أسيبهولك."
ظهر صوت نفس عميق في التسجيل.
وبعدين صوت أبو مريم.
"لو بنتي سمعت اللحن ده، يبقى أنا مش موجود. بس يا مريم، عايزك تعرفي حاجة واحدة... أنا عمري ما خذلتك."
انقطع التسجيل.
مريم فضلت قاعدة قدام البيانو، مش عارفة تعمل إيه.
كل السنين اللي كانت فاكرة فيها إن أبوها كان بيخبي عنها حاجات لأنه مش واثق فيها، اكتشفت إنه كان بيحاول يحميها.
بصت للبيانو، ومدت إيدها على المفاتيح.
وعزفت الأربع نغمات للمرة الأخيرة.
النغمة الأولى...
التانية...
التالتة...
والرابعة.
وبمجرد ما خلصت، سكت كل شيء.
من الليلة دي، مريم ما سمعتش اللحن تاني.
لكنها عمرها ما نسيته.
لأنها فهمت إن يوسف ماكانش بيطاردها، وإن الموسيقى ماكانتش شبح ولا لعنة.
كان مجرد وعد.
وعد اتأخر سبعتاشر سنة عشان يوصل لصاحبته.
وفي النهاية، عرفت مريم إن بعض الأسرار ممكن تتخبى سنين...
لكن اللحن الأخير عمره ما بينتهي، غير لما الحقيقة تتقال.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق