أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

Valorth System Core

هل يمكن لإختراع واحد أن يغير مفهومك عن الواقع؟ في الفصل 0 من رواية نواة نظام فالورث، تبدأ رحلة عبدالرحمن في عالم افتراضي بطبيعة فانتازية، أو هذا ما كان يظنه. رواية تنتمي لأدب اللايت نوفل المستوحى من الأنمي ولكن بنكهة عربية اصيلة.

Valorth System Core
image about Valorth System Core

«الفصل Zero: رحلة الى عالم آخر»

في الأول من أغسطس، ووسط لهيب صيف مصر الخانق الذي يلف شوارع محافظة قنا، كان هناك صخب أشد غلياناً يعصف داخل جدران أحد البيوت السكنية البسيطة.

«يا ذا العقل المربع! يكفي قراءة لهذه القصص واذهب لتفعل شيئاً ينفعك! حالك ليس حال طالب ثانوية عامة أبداً!»

علت توبيخات الأم، لترتد صيحاتها في أرجاء الصالة. كانت تقف واضعة يدها على خصرها، وتشير بسبابتها المرتجفة غضباً نحو الأريكة؛ حيث كان عبد الرحمن مستلقياً بالكامل، وغارقاً بنظراته داخل صفحات إحدى روايات الخيال العلمي. 

«يا أمي.. لقد أنهيت المذاكرة للتو، ألا يجب أن أرتاح قليلاً؟»

داهمت الأم نوبة سعال جافة ومفاجئة قطعت ردها. وضعت كفها على صدرها وهي تسعل بشدة بصوت مكتوم. 

أخذت نفساً عميقاً لتستعيد نبرتها الحادة وتابعت تهديدها: 

«لديك خياران لا ثالث لهما: إما أن تذهب لغرفتك وتنتظر الغداء، أو تذهب وتراجع ما مضى من دروس. أنت أصبحت مدمناً لهذه الأشياء! نظم وقتك أو سأمنعك منها تماماً!»

«حاضر يا أمي، لا داعي للغضب، ولا تجهدي نفسك حتى لا تسوء حالتك»

بمجرد سماع الأم لكلمات ابنها، هدأت قليلاً، وغيرت نبرتها فجأة لتطمأنه بطريقتها: 

«لا تقلق أنا بخير، سبق وأخبرتك أنها نزلة برد، ولكن بما أنك قلق عليّ لذا قررت أن أقلق عليك بدوري وأن أمنعك من هذه القصص لتنتبه لمستقبلك، أعطني إياها حالاً» 

«ماذا؟! هل هذا جزائي لقلقي عليكِ؟! أخبرتك أنني سأنظم وقتي» 

«همف.. حسناً هذه آخر فرصك، الآن اختفِ من هنا لأنظف الصالة»

نهض عبد الرحمن متجهاً لغرفته، بينما تفيض جداول أفكاره بالتساؤلات: 

*(نزلة برد؟! لمَ لا تزال تخفي الأمر  عني رغم أنني تأكدت من تحاليلها بنفسي؟)*

عاد لغرفته وأغلق الباب، متحركاً نحو مكتبه بهدوء. مد يده وسحب جهازه اللوحي من وسط الكتب، لتضيء الشاشة بوميض رسالة جديدة من تطبيق الدردشة.

[تننغ.. رسالة جديدة] 

كان هذا الحساب المجهول يراسله منذ أشهر، مرسلاً معادلات وشفرات برمجية معقدة تشرح كيفية عمل لعبة واقع افتراضي وتصميم جهاز للدخول إليها، ولكن اليوم كانت الرسالة مختلفة: 

[صباح الخير عبد الرحمن، بشأن اللعبة والمشروع اللذين حدثتك عنهما سابقاً، لقد أرسلت لك ما تحتاجه لتبدأ خطوتك الأولى، الأدوات والتصاميم، كل ما عليك فعله هو اتباع الخطوات وستصل.]

قطب عبد الرحمن حاجبيه وبدأ ينقر على لوحة المفاتيح بسرعة ليخط رسالته لذلك الشخص: 

[انت لمْ تذكر أنك تعمل على شيء؟ ثم مَن أعطاك الإذن لترسل أشياء لمنزلي؟! ومن اين لك العنوان؟!]

[لا تثرثر كثيراً أيها الفتى، وسبق وأرسلت الأدوات، كما أنني كنت أتمنى صنعه بنفسي ولكنه مستحيل بلا يدين] 

بدأت الأفكار تتداخل في عقل عبد الرحمن وهو يتكئ على سريره: 

[هل تقول إنك بلا يدين؟!]

لم تمرَّ بضع ثوانٍ حتى وصلت رسالة ذلك الشخص المجهول: 

[ إنهما موجودتان ولكنهما لا تعملان كالسابق، أنا طبيب وأطمح لاستخدام العالم الافتراضي الذي ستصنعه لي كمختبر للأبحاث؛ لأن به معدل تسارع يجعل بضع دقائق هنا تساوي أعواماً من البحث والتجربة.]

[أجل.. أجل سبق وشرحت لي، وقررت مساعدتك في حال أثبتَّ لي أنك لا تكذب بشأن مرض أمي، وأنها حقاً تعاني من مرض بلا علاج.]

[لقد سبق وأكدت لك ذلك عندما أرسلت لي التقرير، ولكن إن لم تصدقني فأنت محظوظ لكونك في عصر الذكاء الاصطناعي، أرفق صورة للتحليل لأي برنامج متخصص وستتأكد.]

أخذ عبد الرحمن نفساً عميقاً، وهو يكتب رده على رسالة ذلك الشخص: 

[لقد سبق وتأكدت بالفعل، سأساعدك ما دمت ستساعد أمي.] 

[لا أظنك تملك خياراً أيها الفتى، الصدأ الجيني تم تصنيفه بدرجة خطورة تتخطى الطاعون، الفرق الوحيد أنه غير معدٍ، وفقاً لتحليل أمك فهي لم تصل بعد لمراحل متقدمة.]

***************

اغلق الفتى جهازه اللوحي، واخذت الساعات تتوالى على تلك المحادثة…

تسللت خيوط ضوء القمر الفضي باهتة عبر شقوق النافذة لتعلن اقتراب الصباح، وكان عقرب الساعات يشير إلى الثالثة فجراً عندما شقَّ هدوء البيت صوت طرقات عنيفة على الباب الخارجي.

تبع الطرقات صوت والدته المتعب المختلط بآثار النوم:

«عبد الرحمن... الباب... اذهب وافتح الباب الذي أوشك أن يتحطم.» 

«آه... قادم.. قادم...» 

نهض من سريره وهو يترنح من أثر النعاس، حتى وصل إلى باب الشقة الحديدي وفتحه على مضض. توسعت عيناه بتعجب عندما وجد أمامه شاباً يرتدي زي شركة شحن دولية، وخلفه سيارة نقل ضخمة تقف في عتمة الفجر.

«صباح الخير سيدي. لدينا طرد خاص باسم السيد: عبد الرحمن. يرجى التوقيع هنا من فضلك.» 

تطاير النعاس من رأس عبد الرحمن، نظر إلى الطرد المغلف الذي يحمله رجل خلف المندوب بذهول، ثم وقَّع على إيصال الاستلام بطلب من المندوب.

بمجرد أن أُغلِق الباب ورحل المندوبون، اشتعل الحماس في جسده، وسحب الطرد الثقيل متجهاً لغرفته.

ولكن قبل أن يخطو أولى خطواته وافاه صوت أمه من غرفتها مستفهماً: 

«عبد الرحمن.. مَن كان الطارق؟» 

«فقط شخص يسأل عن الطريق لا تشغلي بالكِ.» 

انطلق لغرفته وأغلق الباب خلفه بإحكام، وبدأ بتمزيق الأربطة والعلب الكرتونية بسرعة. 

«هل هذا حقيقي؟!» 

انحبست أنفاسه وهو يتأمل المحتويات اللامعة التي خرجت من صناديقها. 

«حاسوب سيلاتيك النسخة المميزة؟! سعره قد يصل لرقم لم نتعلمه في المدرسة بعد! وما هذه الأشياء الأخرى؟ تبدو قيمة أيضاً.» 

بدأت تتهاوى الأفكار كالسيل الجارف في دماغه: 

(هل ذلك الشخص ملياردير؟! أج  بالطبع هو…. إن بعت هذا الحاسوب سأصبح مليارديراً أيضاً بلا شك.) 

بينما كان عبد الرحمن منغمساً في أفكاره حول كيف يصبح غنياً، جاءته رسالة من ذلك الشخص المجهول، فأمسك بجهازه اللوحي ليتفقد الرسالة: 

[هيا أيها الفتى ابدأ العمل، إن بدأت الآن قد تنتهي بعد يومين أو ثلاثة من العمل المتواصل.]

أرسل له عبد الرحمن الرد مختصراً، مؤكداً له أنه سيبدأ العمل... 

بدأ يقرأ بدقة بالغة الأسطر والإرشادات التقنية التي كُتِبت في دفتر كان داخل الطرد ضمن المعدات التي أرسلها ذلك الحساب المجهول، كانت الصفحة الأولى تحتوي على رسومات تفصيلية يدوية لكل قطعة من الجهاز.

قلبَ الصفحة الثانية لتتبدل ملامح الذهول من على وجهه بملامح الإحباط وخيبة الأمل: 

«جمال الخط ليس ضمن مميزاتي، ولكن أكاد أجزم أنه أفضل من هذا! هل هذه اللغة العربية حقاً؟! من الواضح أن مَن كتب الصفحات الأولى ليس هو مَن أكمل الباقي.» 

عاد لأول صفحة متخطياً الرسومات التوضيحية والشرح، ليدخل في خطوات العمل مباشرة: 

«مكتوب هنا أنه عليّ استخراج معالج الحاسوب...»

التفتت نظراته تلقائياً نحو الحاسوب الخارق القابع بجانبه: 

«يا له من هدر للموارد! تفكيك معالج يحتوي على مئة وثلاثين نواة ومساحة تخزين تصل إلى أربعمئة تيرابايت؟ هذا حقاً لا يبدو تصرفاً حكيماً...»

رغم الاعتراض الذي دار في عقله، إلا أن فضوله العلمي كان أسرع. التقط مفكه، وانحنى فوق هيكل الجهاز وبدأ بفك البراغي الخارجية واحداً تلو الآخر.

ما إن أزاح الغطاء الجانبي حتى ظهرت الأحشاء الإلكترونية للحاسوب؛ شبكة معقدة من الأسلاك الملونة والدقائق المعدنية اللامعة التي تنساب بينها نبضات الطاقة الزرقاء. وفي قلب ذلك المعقل التقني، كان ينبض المعالج وسط الأسلاك، محفوراً عليه شعار الشركة المصنعة بوضوح.

وقف عبد الرحمن لثوانٍ، يحدق في الشريحة اللامعة ويتمتم:

«وجدته... ولكن كيف أستخرجه دون إحداث أي ضرر في بنية نقاط التوصيل؟»

بينما كان غارقاً في كيفية نزعه، أضاءت شاشة جهازه اللوحي فجأة. لم تكن رسالة نصية قصيرة كما اعتاد طوال الأيام الماضية، بل وميض مكالمة صوتية واردة من ذات الحساب. 

ضغط على زر الإجابة دون تردد، ورفع الجهاز إلى أذنه منتظراً سماع الصوت الآخر. مرت ثوانٍ من الصمت الثقيل عبر الخط، قبل أن يأتي صوت الطرف الآخر مخترقاً السكون:

«مرحباً؟ عبد الرحمن، هل تسمعني؟»

تصلب جسد عبد الرحمن في مكانه. اتسعت عيناه قليلاً وهو يستمع إلى النبرة الحادة والناعمة التي وصلت إلى مسامعه، صوت لم يكن يمت بصلة لما رسمه في مخيلته طوال تلك المدة:

«هل أنتِ... فتاة صغيرة؟!»

جاءه الرد سريعاً، بنبرة مستقيمة وجافة خالية من أي تردد:

«نعم، أنا فتاة ولكنني طبيبة ولست صغيرة. دعك من هذا الآن، هل استخرجت المعالج؟»

عادت نبرته إلى استقرارها المعتاد وأجاب وعيناه مستقرتان على الشريحة الإلكترونية:

«لا، ليس بعد. أحسب حالياً الطريقة المثلى لإزالته دون إتلافه.»

«ليس عليك الحساب، سأعطيك الطريقة. المعالج مدمج في الهيكل بسبيكة تثبيت معينة، قم بتسخينه حتى تنصهر تلك السبيكة وتنصاع الشريحة للانفصال.»

«هل تريدين صهر الشريحة وإتلافها؟!»

أجابت بنبرة علمية مرتبة لتزيح تساؤله:

«لا، بنية المعالج مصنوعة من معادن مختلفة تماماً، مقاومة للحرارة العالية والتآكل، بينما المعدن المستخدم للتثبيت ذو نقطة انصهار منخفضة جداً مقارنة بها. فقط وجّه الحرارة بالتدريج عند درجة مئتي مئوية تقريباً وسينفصل تلقائياً.»

نظر حوله في الغرفة لثوانٍ، وبدأ يتفحص رفوفه الخشبية البسيطة، قبل أن يعيد نظره للجهاز: 

«لستُ في مختبر مجهز لأملك أدوات تسخين كهذه.»

أجابته فوراً كأنها كانت تقرأ خطواته مسبقاً:

«ستجد كل شيء وأي شيء تحتاجه في الطرد.»

التفت عبد الرحمن إلى الصندوق الكرتوني الضخم الزاوي في ركن الغرفة، وبدأ يفتش في محتوياته بحثاً عن جهاز التسخين: 

«ابقي على الخط في حال احتجتُ إليكِ، فأنا لا أملك أدنى فكرة عن الأشياء الأخرى التي أرسلتِها في هذا الصندوق.»

التقط جهاز التسخين الحراري، وعاد إلى طاولة عمله... 

حرّك مؤشر الحرارة بدقة حتى استقر عند الرقم المطلوب، ثم وجّه شعاع الحرارة الضئيل نحو الشريحة بحذر. خيّم الصمت على الغرفة لعدة دقائق، لم يكن يُسمع فيها سوى أزيز الجهاز الخفيف، حتى بدأت مادة التثبيت تتسيّل وتتراجع.

استخرج المعالج الكمي، ووضعه جانباً لثوانٍ حتى يبرد.

أمسك بورقة المخططات مجدداً، ومرر عينيه على الأسطر مكملاً:

«الآن... أعد تثبيت المعالج في الشريحة الإلكترونية لخوذة الواقع الافتراضي.»

أمال رأسه قليلاً وهو يقرأ الصياغة... 

مدّ يده مجدداً إلى الصندوق وأخرج خوذة واقع افتراضي تجارية من الأنواع الشائعة في السوق. استخدم مفكه الصغير لرفع غطائها الخارجي، وتأمل لوحتها المطبوعة. 

وبدأت تدور الأفكار في عقله كمعادلات سريعة:

(معالج هذه الخوذة صغير وثماني النواة... كيف يمكنني استبداله بالمعالج الكمي هنا؟ هندسياً، هذا لن يعمل).

أبعد عينيه عن اللوحة ووجّه حديثه إلى الهاتف:

«أيتها الفتاة... الخطوة الثانية غير ممكنة. المعالجان يختلفان في البنية، وفي القوة، وحتى في توزيع نقاط التوصيل على اللوحة.»

جاءت نبرتها واثقة عبر السماعة:

«بلى، هي ممكنة. تجاهل البنية تماماً، واصنع جسور توصيل بديلة لتتناسب مع القنوات المستهدفة في الخوذة.»

حرّك المفك بين أصابعه وهو يفكر في كلماتها لثوانٍ قبل أن يرد عليها:

«القوة الإجمالية ستنخفض لتصل إلى خمسين نواة فقط؛ لأن تغيير التوصيل سيلغي بعضها.»

«أعلم ذلك، لكنها المسار الأفضل، والأسرع، والوحيد المتاح لنا في الوقت الحالي.»

أدار المفك دورة كاملة بين سبابته وإبهامه، وقال بصوت مسترسل:

«أظن أن هناك طريقة أخرى أكثر كفاءة، ماذا لو قمنا بـ...»

قاطعت حديثه بحدة، دون أن تترك له مجالاً للشرح:

«أخبرتك، لا توجد طرق أخرى. نفّذ ما هو مكتوب فحسب.»

«حسناً، لا بأس... سأنفّذ.»

أمسك بالتصميم مجدداً، وبدأت أصابعه تقلب الصفحات بانتظام، متجاوزاً الخطوات المعقدة واحدة تلو الأخرى بنظرات سريعة، حتى وصل إلى الورقة الأخيرة المتعلقة بالشريحة العصبية. توقف عن التقليب، وقال بنبرة مستقرة:

«بحسب هذه الخطوات النهائية المذكورة هنا... هدفكِ الحقيقي هو تحويل هذه الخوذة التجارية إلى قارئ للإشارات العصبية، أليس كذلك؟»

«أجل، هذا صحيح تماماً.» جاء صوتها سريعاً وحاسماً.

أرجع عبد الرحمن ظهره إلى الخلف، مسنداً كفتيه على حافة الطاولة وهو يتأمل الأوراق:

«أنتِ وضعتِ هنا ما يقارب السبعين خطوة، وكل واحدة منها تتطلب جهداً هندسياً مضاعفاً... مع أنني أرى طرقاً أقصر بكثير لتحقيق ذات النتيجة.»

تنهدت الفتاة عبر السماعة بنبرة ثقيلة لتعاود الرد على تشكيكه في دقة عملها:

«لا أظن ذلك. لقد قضى علماء حياتهم كاملة في هندسة هذه التصاميم، وأنا أرسلتها إليك لتصنعها ووفرت لك المعدات اللازمة. أرجوك، التزم بالخطوات دون تعديل.»

«هل لديكِ ما يضمن أنني سأعيد البذلة  إليكِ بعد أن أنتهي من تجميعها؟»

انبعثت ضحكة خفيفة خبيثة من السماعة، تلتها نبرة مليئة بالثقة:

«بالتأكيد. الإيصال الذي وقّعت عليه بيدك قبل قليل، ظناً منك أنه مجرد إيصال لاستلام الطرد من عامل التوصيل.»

صمت عبد الرحمن للحظات وهو يعود بالزمن إلى وقت الاستلام قبل قليل، ساخراً في أفكاره:  

(هذا حقاً أشبه بالأفلام السينمائية). 

«لا بأس... إذن، هل تريدين سماع رأيي وتعديلي على خطواتكم أم أنفّذ ما في الورق فحسب؟»

«نفّذ فحسب، ووفّر وقتنا أرجوكِ.»

ارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة، وعلت وجهه ملامح التهكم والسخرية:

«رائع، شكراً لكِ... سأشرح لكِ فكرتي بكل سرور.»

صاحت الفتاة بغضب واضح من إصراره وعناده غير المكترث بأوامرها:

«ألم أخبركَ أن تنفّذ فقط دون نقاش؟!»

تجاهل صياحها تماماً والتفت بعيداً عن الشاشة، متوجهاً نحو مكتبه الخشبي. سحب ورقة بيضاء وقلماً، وبدأت أصابعه تحرك القلم بمرونة وسرعة، يخط مسارات بديلة ويعدل بعض الخطوات في ورقة خارجية، قبل أن يرفع السماعة مجدداً ليشرح لها:

«حسناً أيتها الطبيبة الصغيرة، ما أقصده هو أنه بدلاً من استخدام الإشعاعات المباشرة للاختراق والوصول إلى الأعصاب المخية، قد نستطيع قراءة السيالات العصبية بالكامل دون إلحاق أي أضرار بالدماغ.»

غيّر الورقة وبدأ يعيد رسم المخططات وهو يكمل شرحه: 

«إذا امتلكنا جهازاً عصبياً خارجياً يستقبل الإشارات من الجهاز الداخلي ويترجمها إلى لغة الآلة، سنتمكن من صنع بذلة غمس كامل لا تحتاج إلى أي تدخلات جراحية.»

وصلته ضحكة الفتاة التي أوقفته عن التخطيط، ليتبعها صوتها معللاً سبب الضحكة:

«عبد الرحمن.. افتح الصفحة العاشرة عندك وابدأ العمل منها.»

فتح الفتى الصفحة المطلوبة بعدم فهم، ليتفاجأ بكل ما قاله موجوداً فيها. 

«هل قمتم بقراءة أفكاري؟! كيف حصلتِ على نفس التصميم بالضبط من رأسي؟!»

هدأ صوت الفتاة لثوانٍ قبل أن تجيبه: 

«إنها أفكارك بالفعل، وأنت مَن أعطيتها لوالدي بنفسك.» 

توقفت يد عبد الرحمن عن الكتابة، وضاقت عيناه قليلاً قبل أن يسأل مستفهماً عن هوية والدها: 

«والدكِ؟... ما اسمه؟ ومتى قابلني أصلاً؟»

صمتت الفتاة لبرهة، وبدت نبرتها وهي تنطق الاسم محملة بمزيج من الفخر والحزن:

«أبي هو الدكتور كاران راسل... كان معيداً في الجامعة التكنولوجية الدولية بالقاهرة.»

«كاران راسل؟ لم أسمع به من قبل.»

تنهدت الفتاة بعمق، وقالت بنبرة حملت معنى خفياً:

«هذا محزن نوعاً ما... كان دائماً ما يتحدث عنك، بينما أنت لا تعرفه حتى. ولكن من الطبيعي ألا تعرفه، فأنت لم تقابله قبلاً.»

رفع عبد الرحمن حاجباً واحداً، وسألها مستفهماً:

«إذن... كيف يعرفني إن لم يكن قد قابلني قط؟»

أخذت الفتاة نفساً، وبدأت تسلط الضوء على تفاصيل الحكاية: 

«لقد وضع اختباراً على الإنترنت، مسابقة تقنية بجائزة قيمتها عشرة دولارات لكل مشترك... كان الاختبار عبارة عن تقديم اقتراحات لتصميم اختراعه الذي بين يديك الآن، وكان يرتكز تحت عنوان...»

قاطعها عبدالرحمن بعندما استرجع شريط ذكرياته لثوان.

«تكنولوجيا من عالم آخر….نعم، أذكر ذلك الاختبار جيداً. لقد اشتريت حينها أدواتي المدرسية بتلك الدولارات العشرة... والتي كانت تعادل تقريباً خمسمائة وخمسين جنيهاً هنا.»

ساد صمت لثوانٍ، قبل أن ينطلق صوت الفتاة عبر السماعة بنبرة يملؤها الذهول:

«حقاً؟! هل هذا فقط ما تذكرته من الأمر؟! القيمة المالية!»

لم تتغير ملامح عبد الرحمن المتزنة وهو يرد بعملية:

«وماذا تتوقعين مني أن أتذكر؟ أن أتذكر محتوى الأسئلة؟ كنت في المرحلة الإعدادية حينها.»

« المهم في الأمر، هو أنه في ذلك الاختبار، كنت أنت الشخص الذي أرسل أفضل تصميم واقترح الفكرة التي طورها والدي.»

ساد صمت قصير عبر الخط، قبل أن تتحدث الفتاة بنبرة حملت مسحة من التحدي:

«هل فهمت الآن لِمَ اختارك؟»

حرّك عبد الرحمن عينيه نحو شاشة جهازه اللوحي، مستعرضاً الصفحات المفتوحة بسرعة، ثم قال بصوت هادئ ومستقر:

«نعم، فهمت... وفقاً لما يقوله المتصفح عن والدك، فهو تقني مشهور وحائز على جوائز وله أبحاث عالمية، إلا أنه أُصيب بالجنون بعد إصابة ابنته بالصدأ الجيني... أظن أن لهذا دخلاً بذراعيكِ، صحيح؟»

تغيرت نبرة الفتاة فجأة، وانبعث صوتها حاداً ومهتزاً من الغيظ:

«كف عن الثرثرة! أبي لم يكن مجنوناً! لقد اخترع العلاج بالفعل واحتاج فقط لتجربته، وهم وصفوه بالجنون فقط لأن علاجه اعتمد على تكنولوجيا متقدمة احتاجت لظروف لا توفرها فيزياء الأرض!»

لم تهتز ملامح عبد الرحمن، بل تنهد بخفة وقال ببرود عملي لا يخلو من الجفاء:

«نعم، بالضبط... هذا تعريف آخر للجنون.»

هتفت الفتاة بغضب حاولت كبته خلف السماعة:

«أصبحت كثير الثرثرة أيها الفتى! قل فكرتك أو نفذ الموجود في التصميم وحسب..كما أن والدتك أيضاً مصابة بالصدأ الجيني... وهذا العلاج هو أملها الوحيد تماماً كما هو لي، لأنه لا يوجد علاج لهذا المرض، فقط أدوية تؤخر مصيرك لبضعة أشهر.»

«حسنا…حسنا…والدكِ ليس مجنوناً، والدليل أن كل خطواته المذكورة هنا ممكنة عملياً. ثم، لا تصرخي... إنها الثالثة فجراً كما ترين، صوتك مزعج لم لا تذهبين للراحة وساتصل بك ان احتجتك وبالطبع لن افعل»

«حسناً، لا بأس.. أتمنى حقاً الا تفعل ذلك»

أقفلت الفتاة الخط فعم الصمت أرجاء الغرفة مجدداً. عاد عبد الرحمن ليمسك بقلمه، وانحنى فوق مكتبه يحدد الخطوات ويرى الملحوظات المدونة بخط الدكتور كاران بكل تركيز.

***********************************************

في ظهيرة السابع من أغسطس لعام ألفين وسبعة وعشرين، وفي ضواحي القرية الهادئة، كان عبد الرحمن يسير بخطى رتيبة يحمل حقيبته المدرسية الثقيلة فوق كتفه، متجهاً إلى المنزل بعد يوم دراسي طويل ومرهق.

اهتز جهازه اللوحي في جيب الحقيبة المدرسية مصدراً نغمة خفيفة. أخرجه ليرى إشعاراً يضيء الشاشة:

[رسالة جديدة: عبد الرحمن... لقد أخذتُ والدتك في نزهة قصيرة لكي تتروح وتستنشق بعض الهواء النقافي. الغداء جاهز في الثلاجة، سنعود إلى المنزل قريباً.]

أغلق الشاشة بلمسة سريعة، وخرج منه زفير خافت يحمل مسحة من الضيق المرير وهو يتمتم في نفسه:

«هل يظنني أبي طفلاً لأصدق هذه الحجج؟ لا يزالون يصرون على إخفاء حقيقة مرض أمي عني... لولا أنني قرأت التقارير والفحوصات الطبية بنفسي لما علمتُ بالأمر منهم أبداً. سأفعل كل ما بوسعي لعلاجها.»

وصل إلى البيت بعد مسافة مشي طويلة. دفع الباب الخشبي ودخل، ثم توجه مباشرة إلى غرفته وأغلق بابها خلفه عازلاً نفسه عن العالم. ألقى بحقيبته جانباً، وأمسك بجهازه اللوحي ليطلب رقم تلك الفتاة فوراً.

لم يمر الكثير حتى جاء الرد، وانطلق صوت الفتاة عبر السماعة بنبرة مختنقة بالعتاد والقلق:

«عبد الرحمن! أنت لا ترد على رسائلي واتصالاتي منذ أسبوع كامل! ماذا حدث؟! لِمَ هذا الاختفاء الفجائي؟»

«لا شيء... لقد انتهيتُ من صناعة البذلة تماماً. هل نبدأ بتجربتها الآن؟»

ساد صمت مذهول لثانية عبر الخط، قبل أن تهتف بنبرة ارتجفت من فرط المفاجأة:

«أنهيتها؟! حقاً؟! في أسبوع واحد؟!»

أجاب وعيناه تلامسان النسيج الحيوي المتشابك للبذلة:

«أنا لا أجيد المزاح في الواقع... نعم، انتهيت حقاً، وكلفني ذلك التضحية بالنوم وخسارة اختبار تقييمي. ولكنني أتممتُ صياغة وتركيب كل جزء مادي في البنية الحيوية، والنتيجة الحالية تتطابق تماماً مع المشاهدات التقنية التي دونت في أوراقك، ولم يعد ينقصنا سوى توصيل البرمجيات لتفعيل النظام.»

تحمست الفتاة وقالت مسرعة كأنها تذكرت شيئاً غاب عنها:

«هناك وحدة تخزين خارجية صغيرة كانت قابعة في قاع الطرد... هل أخرجتها؟»

أدار نظره نحو الطاولة، والتقط القطعة المعدنية الصغيرة قائلاً:

«نعم، إنها بين أصابعي الآن... وتحمل اسماً محفوراً عليها؛ نواة نظام فالورث.»

تنفست الصعداء خلف السماعة، وجاء صوتها آمراً بحبس الأنفاس:

«حسناً... ضعها الآن في فتحة الـ USB المخصصة في البذلة، ثم ارتدِ البذلة بالكامل.»

أمسك عبد الرحمن بالبذلة، ومرر أصابعه فوق نسيجها المتشابك الذي بدأ ينبض بحيوية خافتة. وبخطوات هادئة ورزينة، بدأ بارتدائها.

*(أبدو وكأنني رائد فضاء، او بطل فيلم خيال علمي)*

 التقط وحدة التخزين المعدنية الصغيرة، وبحركة دقيقة، دفعها داخل فتحة الـ USB المخصصة في البذلة.

في تلك الأثناء…

على بعد أميال نائية، كانت تقبع غرفة شاسعة مغرقة في الحداثة والتطور التكنولوجي، حيث تصطف أجهزة طبية معقدة وشاشات عرض ضخمة تملأ الجدار بالكامل. وفي منتصف الغرفة، كانت تجلس الفتاة على كرسي فخم، مسمّرة عينيها على الشاشات، بينما تقف بجانبها ممرضة ترتدي زياً أبيض وتتابع المؤشرات بانتظام.

فجأة، أضاءت الشاشات العملاقة، وبدأت خطوط البيانات والنبضات الحيوية الخاصة بعبد الرحمن تتدفق مرئية أمامها، عارضةً كل ما يقع عليه بصره في تلك اللحظة.

لم تتمكن الفتاة من كبح مشاعرها، فقفزت من فرط الحماس وأطلقت صرخة فرح عارمة دوت في أرجاء غرفتها، واخترقت السماعات المدمجة في خوذة عبد الرحمن بقوة.

انكمش حاجبا عبد الرحمن خلف القناع، ورفع يده نحو أذنه قائلاً بنبرة مستنكرة:

«ما بكِ؟ هل جُننتِ؟»

صاحت عبر الخط ونبرتها تهتز بالسعادة:

«لا أصدق اننا نجحنا أخيراً… هذا رائع»

بدأت البذلة في تلك اللحظة باستيراد البيانات من الوحدة الخارجية بسرعة فائقة، وأخذت قنوات الطاقة الفسفورية تتوهج بانتظام. تراجع عبد الرحمن بخطوات ثابتة نحو سريره، واستلقى بهدوء مغلقاً عينيه. وفي غضون ثوانٍ، انقشع وعيه، ليجد نفسه واقفاً في مساحة رقمية لا نهائية؛ واجهة مستخدم غارقة في السواد تطفو أمامها قوائم برمجية عائمة.

انطلق صوت الفتاة واضحاً داخل الواجهة الافتراضية، وشرعت في الشرح قائلة:

«حسناً يا عبد الرحمن، ما ستفعله الآن هو تجميع مكونات العلاج الجيني. ستجد هذه المكونات ومساراتها مدونة في شيء يشبه دليل اللاعبين تماماً. مهمتك هي صنع العلاج داخل هذا النظام، والتأكد من صلاحيته الكاملة، ثم نقله إلى أرض الواقع.»

عقد عبد الرحمن ذراعيه فوق صدره، وقال بنبرة يملؤها الشك العقلاني:

«هل تمزحين معي؟ أنا سأدخل إلى بيئة رقمية؛ محاكاة، فكيف يمكنني نقل مركب كيميائي من مجرد لعبة إلى الواقع؟! هذا غير منطقي.»

ردت الفتاة بنبرة جادة: «فقط قم بصنعه أولاً، وسأخبرك بكيفية النقل لاحقاً، هناك اشياء كثيرة لا تعرفها عن ما تدعوه بمجرد لعبة»

«وكيف يفترض بي أن أجرّب كفاءة هذا العلاج وأتأكد من نجاحه؟»

«هناك شخصية رقمية مبرمجة داخل النظام، تم حقنها بالمرض الجيني بدقة لتماثل الواقع. أبقِ هذه الشخصية بالقرب منك دائماً، واجعلها حقل تجاربك لاختبار المركبات. ستجدها في أول قرية في الجنوب، تعيش في كوخ مع والديها ولا تقلق لن تجد غيرهم هناك»

وقبل أن يستفسر عن المزيد، بدأ أزيز كهربائي حاد يخترق الصوت، وتشوشت واجهة المستخدم بعنف. تلاشت خطوط الاتصال وتداخلت الترددات حتى انقطع الصوت تماماً، وحلَّ ظلام دامس وسكون مطبق ابتلع كل شيء حوله.

 

 

تابع جديد A҉B҉D҉U҉L҉R҉A҉H҉M҉A҉N҉

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق