
حياة نبينا إبراهيم الخليل عليه السلام " كوكب الأرض"
أنا " كوكب الأرض" أسبح مع كل الكواكب في الفضاء .. وتسمونني الآن " الكرة الأرضية" . تطلع الشمس كل صباح فترسل أشعتها على سطحي، وتبعث نورها في الليل ليعكسه كوكب القمر فضياً جميلاص هادئ الضياء.
وأنا أرى الشمس ثابتة الحجم في جميع الأيام، أما القمر فيبدأ هلالاً، ثم يكبر ليلة بعد ليلة إلى أن يستدير، ثم يعود ليصغر ويصغر .. وحول القمر تلمع النجوم في السماء، وتمتلئ بها القبة الزرقاء، فتبدو جميلة ساحرةً.
وكل كوكب له اسمه، وله حركته . وبعض هذه الكواكب كبير جداً، ولكنها تظهر أمامي صغيرة في حجم الزهور التي تنبت في حدائقي، والأسماك الملونة التي تلعب في قنواتي: كوكب الزهرة .. وكوكب المريخ .. وكوكب المشتري وبقية الكواكب التسعة الأخرى، تدور حول الشمس مثلي تماماً، أنا الأرض، حين أدور حول الشمس مرة كل عام. فتأتي فصول السنة : الشتاء، فالربيع، فالصيف، بالخريف ..
ولم أكن مشغولة دائماً بإخوتي الكواكب، فعلى سطحي تعيش الطيور والحيوانات، ويحيا الناس: البيضُ، والصُّفْرُ، والسودُ .. يأكلون، ويشربون، ويعملون، وينامون، ويتحركون ، ويعبدون الله .. ماذا قلت لكم ؟
يعبدون الله ؟ نعم .. يعبدون الله .. ومحاولاتهم لمعرفة الله خالق الأرض والسماء قديمة .. منذ آلاف السنين .. فعند بدء الخليقة رأيت آدم وحواء يعبدان الله .. ويعلمان ابنيهما هابيل وقابيل أن يعبدا الله ..
ثم رأيت نوحاً – عليه السلام – يبني سفينة كبيرة ، ويدعو المؤمنين ليركبوا معه .. ثم غطتني المياهُ فأغرقت الأشجار العالية، واختفت الجبال بين الأمواج العالية القوية، ثم عدت للظهور من جديد بعد أن تراجعت المياه عني، وعاش قوم نوح وأبناؤهم يعبدون الله ..
ومر زمان .. ونسي الناسُ عبادة الله .. بل ظهر ناس أقوياء يملكون الزرع والبحر والناس .. وكان من هؤلاء الناس .. نمروذُ .. الذي عاش في جزء مني .. بأرض بابل .. بالعراق .
نمروذُ يملك الزرع والبحر والناس .. ويملك من بين الناس رجلا يسمى آزر .. وآزر كان مثالاً، ينحت من الحجارة أشكالاً غريبة تبعث الرعب في القلوب .. وأشكالاً جميلة تجعل الناس يقفون أمامها في دهشةٍ وتعجبٍ ...
وبعد أن ينتهي آزر من صنع التماثيل .. يجمع الملك نمروذُ كل الناس، ويأمرهم بعبادة تلك الأصنام .
وذات صباح رأيت الملك نمروذُ خائفاً .. وتعجبت لذلك ، فنمروذُ قويٌّ وجسورٌ، وجميع أعدائه يخافون منه ومن جيوشه، ولا يعيش على سطحي مخلوقٌ أقوى منه .. فلماذا يرتعش اليوم ؟
ولم يطل انتظاري، فقد رأيته يجمع الوزراء والعلماء والسحرة والكهنة ويقول لهم :
- لقد رأيتُ في المنام كوكباً مُضيئاً عظيم الضوء، وما إنْ ظهر هذا الكوكب المنيرُ حتى اختفت جميعُ الكواكب، وانطفأت الشمس وأظلم وجه القمر.
وهنا وضع الكهنة والسحرة أيديهم على رءوسهم في تفكير عميقٍ، وقد عرفوا سبب خوف الملك نمروذ.
وصرخ فيهم نمروذُ قائلاً: هذا هو الحلم الذي رأيته، فسروه لي بما تعلمون من علوم الفلك والنجوم وتفسير الأحلام.
واقتربتْ رءوس الكهنة، وتهامسوا، ثم اتفقوا على رأيٍ واحدٍ أعلنهُ رئيسُهُم:
-يولد في مملكتك في هذه السنة مولودٌ هو الكوكبُ المُضيء الذي رأيته في المنام ..
وسوف يكبر هذا المولود فيصبح شاباً قوياً يجتمع الناس من حوله ويؤمنون بأفكاره ويدافعون عنه .. وسوف ينتصر عليك ويهزمك ويقضي عليك وعلى ملكك .
غضب نمروذُ .. وأمر المنادين أن يمروا على الناس في بيوتهم وفي الميادين والشوارع والحدائق وفي كل مكان ..
ويبلغوههم أمر الملك نمروذُ ، بأن يتخلصوا من أطفالهم الذين يولدون .. كما أمر جنوده وعساكره أن يقبضوا على كل من يخالف الأوامر فيبقى في بيته مولوداً جديداً .. كما أمرهم بأن يحبسوا كل سيدةٍ تحمل في بطنها طفلاً.
وهكذا انتقل الخوف من قلب الملك نمروذ إلى جميع البلاد، ودخل الخوف في كل البيوت. كل طفلٍ خائفٌ على حياته .. وكل أم تبكي .. وكل أي يعرف أنه لن يسمع خبراً سعيداً في هذا العام.
وبكيت أنا الأرض، فأزهاري لن يلعب حولها الأطفال، وأنهاري لن تسمع ضحكات الصغار. وكنت دائماً أفاخر بأطفالي كما تفاخر السماء بالنجوم والكواكب.
وكان آزر – صانع التماثيل – رجلا طيباً، فناناً، ولم يكن يصنع التماثيل من أجل أن يعبدها الناس، بل ليعلمهم الفن وتذوق الجمال، ولكن نمروذ هو الذي كان يأمر الناس بعبادتها.
وحملت زوجة آزر، وأحست بطفل يتحرك في أحشائها، فقالت لزوجها وهي تبكي:
-أحس أنني سأقدم طفلاً للوجود، وأخاف عليه من جنود نمروذ .. ماذا أفعل؟
فاضطرب زوجها آزر وخاف، وظل يفكر في طريقة ينقذ بها هذا الطفل الصغير، وأخيراً قال لها: سوف أقول للناس إن زوجتي لا تستطيع الخروج من بيتها .. وحين تلدين سوف نخفى الطفل في مكان أمين بعيد عن عيون الناس.
وكنت أنا الأرضُ – حزينةً لأن الناس يعبدون الحجارة، ولكني سعدت يوما حين رأيت الأصنام قد نكست رءوسها، ونظرت إلى السماء فرأيت نجماً كبيراً ليس مثل كل النجوم، كان نجماً له طرفان: طرفٌ في الشرق، وطرف آخر في الغرب.
ونظر نمروذ إلى هذا النجم فاهتز وارتعش، فهذا هو النجم الذي رآه في المنام .. نفس النجم الذي ظهر فذهب بنور الشمس والقمر.
وفي نفس اللحظة التي كان نمروذ فيها يرتعد من الرعب، رأيت زوجةً آزر تحمل طفلها. وتتجه به إلى غارٍ بعيدٍ وتخفيه عن العيون.
ونظرت الكواكب في السماء إلى هذا الكوكب الجديد الكبير الممتد من الشرق إلى الغرب، وهتف القمر: ماذا على الأرض ؟ إن ظهور هذا الكوكب معناه أن إنساناً قد ولد في هذه اللحظة سيغير العالم..
وقالت الشمس: إن أهل الأرض لن يلتفتوا إلىَّ، وقد ظهر هذا الكوكب.. إن ضوءه أقوى من ضوئي .. وأنا أبدو بجانبه كوكباً صغيراً خافت الضياء.
وقال القمر: ربما بدأ رجالٌ في إطلاق سفن الفضاء .؟
وقال كوكب المريخ: إن الذي يحدث على الأرض اليوم أخطر وأهم وأبقى وأعظم من سفن الفضاء.
وسمعت هتاف نمروذ وهو يهدد:
- سوف أبحث عن هذا الطفل في كل مكان. وسوف أتخلص منه.
ارتعشت خوفاً على الطفل الوليد، واهتز عرش نمروذ من ارتعاشي، فوقع نمروذ على الأرض وقام ينفض التراب عن ثيابه، فإذا هو يسمع صوتاً هائلاً يردد:
-ويلٌ للكافرين بالله ورسوله إبراهيم .
وكنت أخاف أن يظهر الاضطراب على وجه آزر فيعرف نمروذ أنه قد أنجب طفلاً .. ولكني سعدت حين وجدت آزر مطمئناً يعمل في هدوء .
وصرخ فيه نمروذ:
-يا آزر، هل سمعت ما ينادي به هذا الهاتف ؟ فأجاب آزر بنفس الهدوء كان الأمر لا يهمه:
- نعم سمعته:
فاقترب منه نمروذ وسأله:
- من هو إبراهيم ؟
- فقال آزر: يستطيع سيدي أن يسأل السحرة والكهنة.
- فأمر نمروذ جنوده وحراسه بإحضار الكهنة في الحال.
- وفي انتظار وصول الكهنة كانت الجبال والبحار والطيور والحيوانات والأشجار تردد بأصواتٍ مختلفةٍ نفس الكلمات:
- ويلٌ للكافر بإله إبراهيم ..
- ونظر نمروذ فرأى القمر يطلع من ضلع آزر، ورأى نوراً باقياً قائماً كعمودٍ ممدودٍ بين الأرض والسماء، وسمع نداءً يملأ القصر:
- جاء الحق .. وزهق الباطل .. جاء الحق وزهق الباطلُ .. ولم يستطع نمروذ الوقوف، فقد كانت ركبتاه ترتعشان، وسأل آزر:
- ما معنى هذا القمر الذي طلع من ضلعك يا آزر؟
فأجاب آزر بدون أن يفقد شجاعته:
-ربما كان هذا بسبب أنى أصنع تماثيل جميلة .. يعبدها الناس.. منفذين أوامر مولاي.
وبالرغم من طرافة ما يحدث في قصر الملك نمروذ، فقد حرصت على أن أطمئن على الطفل الصغير إبراهيم، الذي تركته أمه في الغار . من أين كان هذا الطفل يجد طعامه :؟
- إن الله كان يرزقه..
- كيف ؟
- من أصابع يديه .. إصبعٌ يخرج منه عسلٌ .. وإصبعٌ يخرج منه لبنٌ .. وثالث يخرج منه ماءٌ.
- ومرت الأيام والشهور وإبراهيم في الغار يكبر سريعاً . فسألها:
- من ربي؟
- أنت تعرف أن الرب هو مالك الشيء يا بني، وهو الحريص على ما يملكُ .. لذلك فربك يا صغيري هو أنا ! وعاد إبراهيم يسأل:
- ومن ربك أنت يا أماه؟
- أبوك.
- واستمر إبراهيم يسأل:
-ومن رب أبي ؟
فأجابت الأم:
- رب أبيك هو نمروذ.
وسأل إبراهيم الصغير:
ومن رب نمروذ ؟
فضربته أمه ليسكت .. لأنها كانت تخاف عليه من أن يسمعه أحد فينقل الأمر إلى الملك الظالم فينكشف أمره. ولكنها حكت لأبيه ما حدث، فذهب إليه يزوره ..
سأل الطفل أباه:
- من ربي؟
- أمك؟.
- ومن رب أمي؟
- أنا.
- ومن ربك أنت؟
- نمروذ.
- ومن رب نمروذ؟
فضرب آزر ابنه إبراهيم ليسكته .. فسكت.
ظل إبراهيم يفكر في السؤال الذي لم يجد له جواباً عند أبيه ولا عند أمه:
- من رب نمروذ ؟
وقرر أن يترك البيت والأهل، ويخرج إلى بلاد الله الواسعة، عله يجد الجواب على السؤال الذي حيره .. وانتظر حتى غربت الشمس وساد الظلام، وانطلق .. وتطلع إلى السماء فرأى كوكباً مضيئاً، فتأمله وهو يفكر.
- لماذا ينظر هذا الكوكب إلىَّ ؟
وعند الصباح استيقظ من نومه فنظر إلى السماء فلم يجد الكوكب، فغمغم بحزنٍ: -إنني موجودٌ .. وربي لا بد أن يظل موجوداً ليرعاني ويراقبني ويحرسني .. ويحرص على .. والكوكب قد اختفى مع كل النجوم .. هذا ليس ربي .. لا أحب الآفلين .
وظل يفكر طول النهار حتى إذا جاء الليل وظهر القمر. أحس إبراهيم بالطمأنينة وقال -الآن وجدتك يا ربي .. أيها القمر المنير.
وفي الصباح نظر إلى السماء، فلم يجد القمر فقال: لا أحب الآفلين. ولم تطل سعادة إبراهيم فقد مر النهار سريعاً واختلفت الشمس.
فصرخ إبراهيم: لا أحب الآفلين .. إن ربي ليس الكوكب .. إنه ليس القمر .. ولا الشمس .. إن ربي فوق كل هذا .. إنه خالق كل هذا .. منشيء الأرض ومكون الشمس ومحرك القمر ومنظم الكواكب .. إني سأعبد الله وحده.
ونظرت أنا الأرض أم الكائنات الحنون إلى إبراهيم، فرأيته يركع ثم يسجد حتى تمس جبهته ترابي .. وكان سجوده لله رب العالمين .