البيت الذي يحتفظ بالأرواح
البيت الذي يحتفظ بالأرواح
في أقصى حافة القرية الجبلية، حيث ينتهي الطريق الترابي ويبدأ الصمت الثقيل، كان يقف البيت. لم يكن مجرد بناء مهجور، بل كيانًا يراقب، ينتظر. جدرانه الحجرية متشققة كوجوه عجائز أنهكهم الزمن، ونوافذه المكسورة تشبه عيونًا مفتوحة لا تنام. الأشجار اليابسة المحيطة به كانت تميل نحوه، كأنها تحاول الهرب أو التحذير.
أهل القرية لم يذكروا اسمه بصوت عالٍ أبدًا. كانوا يشيرون إليه فقط، أو يغيرون الموضوع عندما يمر ذكره. لكن إن سُئلوا، قالوا:
"ذاك هو البيت الذي يحتفظ بالأرواح."
سليم لم يكن من أهل القرية. جاء من المدينة، هاربًا من ضجيجها، ومن كوابيس بدأت تطارده بلا سبب واضح. كان يؤمن بالمنطق، يسخر من القصص الشعبية، ويرى الخوف ضعفًا يمكن السيطرة عليه. لذلك، عندما سمع تحذيرات السكان، شعر بالفضول لا القلق.
في الليلة الثالثة لوصوله، اختفت النجوم، وغطى الضباب الجبل ككفن رمادي. حمل سليم مصباحه، وبدأ صعود الطريق المؤدي إلى البيت. مع كل خطوة، كان يشعر بأن الهواء يثقل، وأن الصمت يضغط على أذنيه.
وصل.
الباب الخشبي كان مفتوحًا قليلًا، كأن أحدهم دعاه للدخول. تردد لثانية، ثم دفعه.
صرير طويل شقّ الليل.
ما إن دخل حتى انغلق الباب خلفه بقوة. حاول فتحه، ضربه بكتفه، صرخ… بلا فائدة. كان البيت قد ابتلعه.
الرائحة كانت مزيجًا من عفن ورطوبة وشيء آخر… شيء يشبه الصدأ والدم القديم. الضوء الخافت كشف ممرًا طويلًا، جدرانه مليئة بخدوش وأسماء محفورة بأظافر بشرية.
ثم سمع الصوت.
همسة…
ثم أخرى…
ثم عشرات.
كلها تناديه باسمه.
"سليم… سليم…"
وكل صوت كان مختلفًا، طفل، امرأة، رجل مسن، لكنهم جميعًا يعرفونه.
ركض، لكن الممر تمدد، الأرض أصبحت لزجة، كأنها تحاول الإمساك بقدميه. وصل إلى غرفة واسعة تتوسطها مرآة ضخمة بإطار ذهبي متآكل. اقترب منها، ورفع المصباح.
انعكاسه لم يكن هو.
وجهه كان شاحبًا، عيناه سوداوين بلا بياض، وابتسامة مشقوقة حتى الأذنين. الانعكاس رفع يده ولوّح له… بينما يده الحقيقية بقيت ساكنة.
تراجع سليم مذعورًا، فاصطدم بشيء خلفه. يد. باردة. ليست بشرية. التفت، فلم يرَ جسدًا، فقط ظلًا كثيفًا ينبثق من الأرض، يلتف حوله كدخان حي.
الأصوات تصاعدت.
صرخات ألم.
توسلات.
ضحكات هستيرية.
هرب إلى غرفة جانبية، وأغلق الباب خلفه. الغرفة كانت ضيقة، بلا نوافذ، وفي وسطها طاولة خشبية عليها دفتر قديم. فتحه بيدين مرتجفتين.
أسماء.
صفحات كاملة من الأسماء.
وبجانب كل اسم… تاريخ اختفاء.
قلب الصفحات بسرعة حتى وصل إلى الصفحة الأخيرة. كانت فارغة… إلا من اسم واحد كُتب لتوّه، بالحبر الرطب:
سليم.
شعر بألم يمزق رأسه. بدأت الذكريات تتساقط من عقله كأوراق محترقة. نسي طفولته، نسي عائلته، نسي المدينة. حتى اسمه بدأ يبهت.
عندها فهم.
البيت لا يقتل.
البيت يحتفظ.
يحتفظ بالأصوات، بالوجوه، بالخوف الأخير في عيون ضحاياه. يجعلهم جزءًا منه. صدىً لا ينتهي.
سُحب سليم نحو المرآة مرة أخرى. هذه المرة، انعكاسه ابتسم برضا. عندما لمس الزجاج، شعر بالبرودة… ثم لم يشعر بشيء.
في الصباح، مر أحد الرعاة قرب المكان. أقسم أنه سمع صوت شاب ينادي من داخل البيت:
"لا تخف… ادخل…"
وفي القرية، أضيف اسم جديد إلى قائمة المفقودين.
أما البيت، فقد بدا أكثر هدوءًا.
كأنه شبع… مؤقتًا.
