العودة إلى الظلام

هدوء ما قبل الرعب
مرّت أسابيع منذ تلك الليلة. عاد سامح إلى المدينة، محاولًا إقناع نفسه أن ما حدث مجرد توتر وأوهام سببتها الوحدة والذكريات.
لكن شيئًا تغيّر.
لم يعد يتحمل الجلوس في غرفة مظلمة. كان يترك الأنوار مضاءة حتى أثناء النوم. حتى شاشة هاتفه لم يكن يطفئها بالكامل. الضوء صار ملاذه الوحيد.
في إحدى الليالي، وبينما كان يجلس في شقته بالطابق السابع، انقطع التيار فجأة.
ابتسم بتوتر.
“مجرد عطل عادي…”
لكنه حين نظر من النافذة، تجمّد.
المدينة كلها كانت مظلمة.
الظل داخل الجدران
أخرج كشاف الطوارئ الذي اشتراه بعد الحادثة. ضغط الزر.
لم يعمل.
واحدًا تلو الآخر، كل مصادر الضوء التي جهّزها فشلت. البطاريات فارغة. الشموع ذابت كأنها استُخدمت من قبل.
بدأ يسمع صوت احتكاك خافت داخل الجدران.
كأن شيئًا يتحرك بينها.
ثم صوت مألوف… نفس الصوت.
“اشتقنا إليك.”
هذه المرة لم يأتِ الصوت من الخارج.
كان داخل رأسه.
الكشف المرعب
اندفع سامح نحو المرآة في الصالة. أراد أن يرى وجهه، أن يتأكد أنه ما زال هو.
لكن في الظلام، كانت المرآة تعكس شيئًا آخر.
رأى ظله… يتحرك قبله.
حين رفع يده، تأخر الظل لثانية.
حين صرخ، لم يفتح الظل فمه.
ثم انفصل.
ببطء، خرجت الكتلة السوداء من سطح المرآة، وانزلقت إلى الأرض كقطرة حبر كثيفة.
تراجع سامح حتى اصطدم بالحائط.
الظل لم يعد أمام المنزل.
لم يعد خلف الباب.
لقد عاد معه.
حقيقة اللعنة
تذكّر كلمات والده من جديد، لكن هذه المرة سمع بقية الجملة التي تجاهلها في ذاكرته:
“الظلام لا يسكن الصحراء يا سامح…
هو يبحث عن قلب يخافه.”
أدرك الحقيقة القاسية:
حين أشعل الضوء في القرية، لم يطرده…
بل جذبه إليه.
صار هو البوابة.
صار هو المصدر.
كلما خاف، ازداد الظلام قوة.
كلما ارتجف، تمدد الظل أكثر.
الإندماج
اقترب الظل منه بلا صوت. لم يعد يتلوى، بل صار أكثر تماسكًا… أكثر شبهًا به.
مدّ يده نحوه.
شعر سامح ببرودة تخترق صدره، كأن قلبه يُنتزع ببطء. لم يكن ألمًا جسديًا… بل فراغ.
بدأت ذكرياته تتلاشى.
وجه أمه.
صوت والده.
حتى اسمه.
آخر ما رآه، كان جسده واقفًا أمامه… بينما هو يغرق في سواد لا نهاية له.
ثم اختفى.
في الصباح التالي
عادت الكهرباء.
استيقظ سامح على ضوء الشمس يتسلل من النافذة. كل شيء بدا طبيعيًا. هاتفه مشحون. الأنوار تعمل.
ابتسم بهدوء غير معتاد.
اقترب من المرآة.
انعكس وجهه… بلا ظل خلفه.
في المساء، خرج يتمشى في الشارع. مرّ بجانبه رجل يحمل طفله الصغير. الطفل كان يحدق فيه بخوف شديد.
شدّ الطفل قميص والده وهمس:
“بابا… عمو ده ملوش ضل.”
توقف سامح ببطء.
ثم، وللمرة الأولى…
كان هو من يبتسم في الظلام.
انتظرونا في الجزء الثالث “ حين يختفي الضوء ” و لا يسود إلا الظلام .. الظلام الدامس .