خلف مرايا الحمام: حكاية الكيان الذي عزلني عن العالم

خلف مرايا الحمام: حكاية الكيان الذي عزلني عن العالم

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

ظل المخروط: أربع سنوات من الحصار المظلم

 

الفصل الأول: النداء المجهول

بدأت حكايتي في أروقة الثانوية العامة، حيث كانت غرفتي هي ملاذي الآمن. كنت فتاة انطوائية، أجد في الكتب رفقاء أوفى من البشر، مكتفية بذاتي ومنغمسة في دروسي. ومع اقتراب الامتحانات، زاد سهري للمذاكرة، وفي إحدى تلك الليالي، انشق صمت الغرفة بصوت يناديني.. كان يشبه صوت والدي تماماً، لكنه افتقر إلى "الدفء" البشري.

خرجت للصالة فلم أجد أحداً، ذهبت لغرفة والديّ فوجدتهما غارقين في النوم، فقلت لنفسي إنه مجرد إجهاد. لكن بمجرد عودتي، تكرر النداء بوضوح أكبر. هذه المرة، وقفت خلف باب غرفة والديّ، وفتحت الباب ببطء لأراهما نائمين أمامي، وفي تلك اللحظة بالذات، جاءني الصوت "من خلفي" في الممر المظلم! تملكني الرعب؛ فأنا وحيدة معهما في المنزل، ووالدي كان قد عاد منهكاً من عمله.

استجمعت شجاعتي، وبدأت ألتفت ببطء وأنا أسمي الله، لكنني لم أجد شيئاً. تحركت نحو غرفتي وأنا أتفحص باب الحمام بذعر، متخيلة أن شيئاً سيهجم عليّ في أي لحظة. بمجرد دخولي الغرفة، أوصدت الباب بقوة وأنا ألهث، ليفاجئني الصوت خلف الباب مباشرة يهمس بكلمات تقشعر لها الأبدان: "تعالي يا بسمة إنه وقت الاستحمام". سقطت على سريري في حالة انهيار وبكاء مرير حتى غلبني النوم من فرط الرعب.

image about خلف مرايا الحمام: حكاية الكيان الذي عزلني عن العالم

الفصل الثاني: وحش المرآة

في الصباح، استيقظت على لمسات والدتي، فانفجرت في بكاء هستيري. لم تقتنع أمي بما أخبرتها به ، وأرجعت الأمر للإرهاق وقلة الأكل والنوم. استسلمت للنوم مجدداً لأغرق في سيل من الكوابيس المتلاحقة التي لا أذكر منها سوى الشعور بالاختناق.

استمرت حياتي بشكل باهت وكئيب، وفي ليلة دخلت  لغسل أسناني قبل النوم. هناك، في مرآة الحمام، رأيته لأول مرة.. كان يقف خلف ستارة البانيو. كيان بوجه أسود فاحم بلا ملامح، جسد عريض من الأعلى ينحف بشدة وصولاً للقدمين كشكل "المخروط"، وقدميه لا تلمسان الأرض! فقدت الوعي تدريجياً وسقطت عند باب الحمام.

image about خلف مرايا الحمام: حكاية الكيان الذي عزلني عن العالم

أحضر والدي إمام المسجد، لكن الأمور ازدادت سوءاً. بدأ الكيان يلازمني كظلي، خصوصاً وقت النوم. كنت أسمع أنفاسه في أذني، وأستيقظ لأجد جسدي ملطخاً ببقع زرقاء، وأحياناً ينزف أنفي بغزارة حتى يمتلئ وجهي ورقبتي بالدماء، فضلاً عن آلام الظهر والرجلين والصداع المزمن. أصبح الحمام مكاني الأرعب، حيث يظهر لي كخيال أسود أو يتشكل في بخار الماء، فصرت أتجنبه تماماً في الليل.

الفصل الثالث: الحارس المؤذي

استمر هذا الحال أربع سنوات. حاولت التعايش معه بعدما فشل العلاج النفسي والروحاني. بدأت أراه بهيئته الحقيقية بوضوح، يرتفع عن الأرض حوالي "شبر". لكن الرعب الحقيقي بدأ عندما صار يؤذي كل من يزعجني.

صديقتي التي افترت عليّ في المدرسة، وجدت نفسها في دوامة رسوب مستمر حتى طُردت من الكلية. ووالدتي، حين حدث بيننا خلاف بسيط، وقعت لها حادثة بشعة في الشرفة؛ حيث التف حبل الغسيل حول أصابعها ففتحها ونزفت بغزارة، وظلت طريحة الفراش أسبوعين لا تقوى على الحركة. أدركت حينها أنني يجب أن أكتم زعلي حتى لا يتأذى أحد بسببي.

حتى حين انتقلنا لشقة جديدة، عاد للظهور بعد عام من الهدوء. كنت أحاول تجنب النظر للمرايا، فإذا نظرت بالصدفة، أراه واقفاً خلفي يبتسم بسخرية. ومن شدة خوفي، كنت أجعل ابن خالي الصغير ينام بجانبي، لكن الكيان كان يرفض ذلك، يصرخ في أذني: "لا أحب هذا"، وإذا لم أبتعد عنه، أشعر بنار تشتعل في ظهري.

الفصل الرابع: النجاة من الكابوس

في يوم عملي بالصيدلية، جاء رجل يطلب مسكناً "كيتولاك"، ثم باغتني بسؤاله: "لماذا تبدين متعبة؟ هل هو يلاحقك؟". صُدمت مما قاله، فأخبرني أنه يرى فيّ شيئاً غير طبيعي، وسرد لي تفاصيل ما يحدث معي كأنه يعيش معنا، وذكر لي اسم شيخ يجب ان اراه كي يساعدني، ثم اختفى ولم أره بعدها أبداً.

أخبرت والدي، فقرر البحث عن هذا الشيخ  وإحضاره، وقبل وصوله بليلة، رأيت أغرب الأحلام: كنت أقف مع ذلك الجن وهو يرتدي ملابس رثة جداً (بنطلون أبيض قديم وتيشيرت ممزق)، وأمامنا حصان مرعوب يرفض السكون من بشاعة منظر الجن. ثم ظهر رجل يضرب الجن بعصا على رأسه وهو يصرخ حتى أغمي عليّ في الحلم. استيقظت لأجد مفاجأة مرعبة: ضفر إصبع قدمي الكبير مخلوع تماماً ومرمي على السرير!

عندما وصل الشيخ وبدأ القراءة، دخلت في نوبة تشنج وتعب شديد لم أرَ مثله قط. ولكن، منذ ذلك اليوم -قبل أربعة أشهر- وأنا أنعم بالهدوء. اختفى الظل، وصمتت الأنفاس، وعادت حياتي كما كانت، داعية الله أن يستمر هذا السلام للأبد.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
طموح - Tomooh تقييم 0 من 5.
المقالات

2

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.