فرح غامض في صحراء الكويت
فرح غامض.
في تلك الليلة، لم يكن هناك ما يوحي بأن الأمر سيتحوّل إلى كابوس.
أربع فتيات يعملن في الغناء الشعبي بالكويت، اعتدن إحياء الأفراح النسائية في القاعات المعروفة. في مساء هادئ، وصلتهن رسالة من رقم مجهول يعرض عليهن إحياء فرح خاص مقابل أجر يفوق المعتاد. لم يُذكر اسم العائلة، فقط موقع في منطقة صحراوية بعيدة.
ترددن قليلًا، لكن الحاجة والفضول غلبا الخوف.
في الموعد المحدد، جاءت سيارة سوداء قديمة أقلّتهن. السائق كان صامتًا أغلب الطريق، وعندما سألته إحداهن عن المكان، اكتفى بالقول:
“هتوصلوا… بس غنّوا من قلبكم.”
مع كل كيلومتر، كانت أضواء المدينة تختفي، وإشارة الهاتف تضعف حتى انقطعت تمامًا. شعور غير مريح تسلل إلى صدورهن.
توقفت السيارة أمام قاعة ضخمة، غريبة الشكل، لكنها مضاءة بالكامل. من الداخل، كان كل شيء هادئًا بشكل مريب. النساء الجالسات يرتدين عباءات سوداء، لا يتحدثن، لا يتحركن، وكأنهن ينتظرن فقط.
بدأ الغناء.
من أول مقطع، لاحظت الفتيات أن أصواتهن لم تعد كما اعتدن. الكلمات خرجت ببطء، أعمق من المعتاد، وكأن الأغنية تُغنّى منذ زمن بعيد. إحدى الفتيات شعرت بأن صوتًا آخر يخرج معها، صوت لا يشبهها.
عندما نظرت إلى العروس، لاحظت أنها لا تتحرك أبدًا. لم تكن تومئ، لم تلتفت، والأسوأ… أن قدميها لم تكونا واضحتين أسفل الفستان.
حاولت إحدى الفتيات التوقف، لكن صوتها استمر دون إرادتها. في تلك اللحظة، بدأت النساء الجالسات يرددن الأغنية معهن، بأصوات منخفضة، متداخلة، غير بشرية.
انطفأت الأنوار فجأة.

في الظلام، سُمعت همسات وضحكات بعيدة. شعرت الفتيات ببرودة شديدة، وكأن المكان يضيق عليهن. حاولن الهرب، لكن الأبواب لم تكن موجودة.
عندما عاد الضوء، كانت القاعة شبه فارغة. ثلاث فتيات فقط كن واقفات، أما الرابعة فقد اختفت تمامًا. لم يُعثر إلا على عباءتها ملقاة على الأرض.
هربن قبل الفجر، دون أن يلتفتن خلفهن.
منذ تلك الليلة، لم تعد حياتهن طبيعية. أثناء الغناء في أي فرح، تشعر كل واحدة منهن بأن صوتًا آخر يحاول الخروج معها. وأحيانًا، تنطفئ الأنوار لثوانٍ بلا سبب.
ثوانٍ كافية…
لتتذكّرن الفرح الذي بدأ ولم ينتهِ أبدًا في صحراء الكويت.
بعد مرور أسابيع على تلك الليلة، حاولت الفتيات الثلاث العودة إلى حياتهن الطبيعية، لكن الأمر كان مستحيلًا. لم يكن الاختفاء هو الشيء الوحيد الذي ترك أثره، بل الإحساس الدائم بأن هناك من يراقبهن. في بعض الليالي، كانت إحداهن تستيقظ على صوت غناء خافت، نفس اللحن الذي غنينه في ذلك الفرح الغامض، وكأنه يخرج من الجدران.
حاولن إبلاغ الشرطة، لكن لم يجدن دليلاً واحدًا. لا قاعة، لا طريق، ولا سجل لحفل زفاف في ذلك المكان. حتى رقم الهاتف الذي تواصل معهن اختفى تمامًا، وكأنه لم يوجد من الأساس.
إحداهن قررت الاعتزال نهائيًا، بعدما فقدت صوتها فجأة أثناء أحد الأفراح. أخرى كانت تقسم أنها ترى في المرآة ظل فتاة تقف خلفها، بلا ملامح، تبتسم ابتسامة باهتة. أما الثالثة، فكانت تشعر أن هناك من يهمس لها كلما حاولت الغناء وحدها:
“الدور الجاي… عليكِ.”
ومع مرور الوقت، أدركن حقيقة مرعبة…
أن ما حدث لم يكن خطأ عابرًا، بل اختيارًا.
وأن الفرح الذي دخلوه بإرادتهم، ما زال مفتوحًا…
ينتظر أصواتًا جديدة.