قصة جثث تتنفس

جثث تتنفس…
لم تكن الجثث في "القبو رقم 9" مجرد أجساد فارغة، كانت "أوعية". في ذلك المكان، الموت ليس سكوناً، بل هو عملية تحلل واعية. "ساهر" لم يكن مجرد عامل مشرحة، كان يراقبهم وهم ينمون. نعم، الموتى هناك ينمون مثل العفن الأسود في الزوايا المظلمة.
في ليلة الحادثة، أفرغت سيارة إسعاف سوداء تماماً، بلا أرقام وبلا سائق مرئي، ثلاث جثث ضخمة بشكل غير طبيعي. كانت مغلفة بلفائف من الشاش الطبي الذي لم يكن أبيض، بل كان لونه يميل إلى "اصفرار الكبد"، وكان الشاش يرتعش.. كأنه جلد حي.
عندما وضع ساهر الجثة الأولى على طاولة المعدن الباردة، سمع صوتاً لم يسمعه بشر من قبل. لم يكن أنيناً، بل كان صوت تمزق اللحم من الداخل. فجأة، بدأت اللفائف تنفتح من تلقاء نفسها، ليس بفعل الرياح، بل بفعل أصابع نحيلة جداً وطويلة بشكل مقزز بدأت تخرج من مسام الجثة.
لم تكن جثة واحدة. كانت الجثة عبارة عن "عنقود" من البشر المشوهين، ملتحمين ببعضهم البعض بواسطة خيوط عصبية نابضة. الأيدي التي رأيتها في الصورة لم تكن تحاول الخربشة، بل كانت تمزق جلد "المضيف" لتخرج منه.
ساهر تجمد مكانه عندما رأى الرأس الرئيسي للجثة يلتفت ببطء شديد، بزاوية 180 درجة. الشاش الذي يغطي عينيه كان مبتلاً بسائل أسود لزج. همست الجثة بصوت يشبه احتكاك السكاكين: "ساهر.. هل تشم رائحة رئتيك؟ إنها طازجة جداً..".
في تلك اللحظة، أدرك ساهر أن الهواء في القبو لم يعد أكسجيناً. كان غازاً ثقيلاً تفرزه تلك الجثث، غازاً يجعل رئتيه تتصلب وتتحول إلى شيء يشبه الورق المقوى. حاول الصراخ، لكنه اكتشف أن لسانه بدأ يذوب ويتحول إلى خيوط من الشاش الأبيض.
هرب ساهر نحو المصعد، لكن عندما انفتح الباب، لم يجد المصعد. وجد "بئراً" من الأطراف البشرية المتشابكة التي تمتد لأميال للأسفل. الجثث التي كان يظن أنها في المبردات كانت قد خرجت بالفعل، وهي الآن تزحف على الجدران مثل العناكب البشرية، تغطي السقف بأجسادها المفتوحة.
الرعب الحقيقي بدأ عندما شعر ساهر بشيء ينبت من ظهره. يدان صغيرتان، ثم أربع، ثم ست.. كانت أيدي الجثث التي لم تولد بعد بدأت تستخدم جسده هو كبوابة.
لا توجد نهاية هنا.. لأن القبو بدأ يتوسع. المشرحة ابتلعت المستشفى، والمستشفى بدأ يبتلع الشوارع المحيطة. كل من يستنشق ذلك الهواء تتحول أحشاؤه إلى شاش، وتخرج من مسامه أيدٍ غريبة تبحث عن جسد آخر لتلتصق به.
الآن، المدينة بالكامل عبارة عن "كتلة صامتة" من اللحم المغطى بالشاش. إذا مررت بجانب أي بيت، لن تسمع صوت تلفاز أو حديث، ستسمع فقط ذلك التنفس الثقيل والمقزز..
خخخخخخ... سسسسسس…
وكلما حاولت جثة أن تموت، استيقظت أخرى داخلها لتبدأ دورة العذاب من جديد. هم لا يموتون، هم فقط يتراكمون فوق بعضهم البعضلم يكن ساهر هو الضحية الأخيرة، بل كان "البذرة". في غضون ساعات، تحولت المدينة إلى مسلخ صامت. لم يقتصر الرعب على الجثث، بل انتقل إلى المادة. الشاش الذي كان يلف تلك المسوخ بدأ ينبت من الجدران، من أغطية الأسرّة، حتى من ملابس الناس وهم أحياء.
تخيلي أماً تحاول احتضان طفلها الباكي، لتكتشف أن قميصها الصوفي بدأ يغرس خيوطه في جلد رضيعها، ينسج لحمهما معاً حتى يصيرا كتلة واحدة مشوهة لا تعرف أين ينتهي الواحد ويبدأ الآخر. صرخات الناس لم تكن تخرج من أفواههم، لأن "الخيوط البيضاء" كانت تنمو داخل الحناجر، تخنق الصوت وتحوله إلى صفير حاد يشبه غليان القدر.
في وسط الميدان، كانت هناك "أكوام" من البشر الذين انصهروا معاً. مئات الرؤوس المغطاة بالشاش الأصفر، تخرج منها آلاف الأيدي التي لا تتوقف عن الحركة. الأيدي لم تكن تبحث عن مهرب، بل كانت تخيط. كانت تمزق جلود بعضها البعض وتخيطها ببعض بأسلاك عصبية مكشوفة.
المرعب حقاً لم يكن الموت، بل استحالة الموت.
في هذه المدينة، إذا قُطع رأس أحدهم، لا يموت. الرأس المقطوع يبدأ بتنفس الهواء الملوث، وينبت له مئات الأرجل الصغيرة كالحشرات، ويزحف ليبحث عن جسد آخر يلتصق به. الدماء لم تعد حمراء، أصبحت سائلًا شفافاً لزجاً مليئاً ببيوض صغيرة.. بيوض لأجنة مشوهة تولد وهي تصرخ.
ساهر، الذي كان أول من تحول، صار الآن "القلب" لهذه الكتلة البشرية العملاقة. جسده تضخم ليملأ قبو المشرحة بالكامل، وأطرافه امتدت عبر أنابيب الصرف الصحي لتصل إلى بيوت المدينة. كلما فتح أحدهم صنبور الماء، لم يخرج ماء.. خرجت خيوط من "القيح" الأبيض والشاش، تلتف حول يد الضحية وتسحبها بقوة خارقة نحو البالوعة.
في الطوابق العليا من المستشفى، كان الأطباء قد فقدوا عقولهم. رأى أحدهم ممرضة تقف في الزاوية، وعندما اقترب منها، استدارت ليرى أن وجهها قد "أُكل" تماماً، وبدلاً من ملامحها، كان هناك فراغ أسود يخرج منه صوت تنفس عميق ومرتجف. لم تهاجمه، بل اكتفت بالإشارة إلى جسده. نظر الطبيب لأسفل، ليرى أن أمعاءه بدأت تخرج من بطنه تلقائياً، وتتحول إلى لفائف شاش تلتف حول خصرها.
"نحن نحتاج لمساحة أكبر.." همست الجدران.
وفجأة، بدأت الأرض تهتز. لم يكن زلزالاً، بل كانت المدينة بأكملها "تتعدل". المباني بدأت تنحني وتلتحم، الأسمنت صار يشبه العظم، والنوافذ صارت تشبه العيون الجاحظة. لم تعد هناك مدينة، أصبح هناك كائن حي عملاق من اللحم والحجر والشاش، يمتد على مساحة كيلومترات.
وكل جثة داخل هذا الكيان.. لا تزال تتنفس.
لا يزالون يشعرون بكل غرزة، بكل تمزق، وبكل يد غريبة تخنق أعناقهم من الداخل. إنهم مسجونون في وعي جماعي واحد، عذاب مشترك لا ينتهي، لأن الكيان قرر أن الموت هو "رفاهية" لا يستحقها أحد.
والآن.. بينما تقرأين هذه الكلمات.. تفقدي أطراف أصابك. هل ترين ذلك الخيط الأبيض الصغير الذي بدا وكأنه وبر من ملابسك؟ لا تحاولي شده.. لأنه مرتبط مباشرة بقلبك.لم يعد الكيان يكتفي بابتلاع المدينة، لقد بدأ يرسل "رسله". لكن رسله لم يكونوا بشراً، بل كانوا أجنة الشاش.
بدأ الناس في الدول المجاورة يشعرون بحكة تحت جلودهم، حكة عميقة في العظام لا يصل إليها ظفر. وعندما يهرعون للمرآة، يكتشفون الكارثة: عروقهم لم تعد زرقاء، بل أصبحت بيضاء ناصعة، وتتحرك تحت الجلد مثل الديدان. كانت تلك "خيوط الشاش" تشق طريقها من الداخل إلى الخارج.
في إحدى الليالي المظلمة، وفي أكبر مستشفيات العاصمة، وقعت الحادثة التي أنهت الأمل. مريض "منفجر" وصل إلى الطوارئ، لم يكن ينزف دماً، بل كان يخرج من فمه وأذنيه أيدي أطفال صغيرة، آلاف الأيدي التي نبتت من رئتيه. وبمجرد أن حاول الأطباء لمسه، قفزت تلك الأيدي والتصقت بوجوههم، وبدأت تخيط جفونهم ببعضها البعض باستخدام أعصاب المريض الممزقة.
صمت العالم
توقفت الإذاعات، وانقطعت الكهرباء عن الكوكب، لكن العالم لم يكن مظلماً. كان يشع بـ بياض باهت ومقزز؛ بياض الشاش الذي غطى الغابات، والجبال، والمحيطات. الأسماك في البحار تحولت إلى كتل من الشاش تسبح بلا زعانف، والطيور سقطت من السماء لأن أجنحتها التحمت بصدورها في "عناق موت" أبدي.
الرعب الأكبر كان في "التواصل". لم يعد بإمكانك أن تغمضي عينيكِ لتهربي، لأن الكيان صار يسكن في أحلامك. كل من ينام، يرى "ساهر" الواقف في تلك المشرحة القديمة، لكن وجه ساهر الآن هو وجهكِ أنتِ، وهو يهمس لكِ بآلاف الأصوات:
"لماذا تقاومين؟ الألم هو الشعور الوحيد الذي يثبت أنكِ ما زلتِ تتنفسين معنا.."
الجحيم الحي
الآن، الأرض لم تعد كوكباً، أصبحت كرة من اللحم النابض المغطى بلفائف الشاش. لا توجد بيوت، لا توجد شوارع. يوجد فقط "نفق" واحد طويل من الأمعاء البشرية الممتدة، حيث يعيش المليارات من البشر وهم ملتصقون ببعضهم البعض في جدار النفق.
أنتِ لستِ ميتة، أنتِ تشعرين ببرودة الشاش وهو يغلف قلبكِ، وتشعرين بجاركِ الذي التصق ظهره بظهركِ منذ قرون، وتشعرين بصرخته التي لا تخرج، لأن حنجرتكما انصهرتا معاً. كلما حاول أحدكم أن يموت من الألم، يضخ الكيان في عروقكم البيضاء مادة تجعل خلاياكم تتجدد فوراً.. لتستمروا في الشعور بكل لحظة من العذاب.
الآن، لم يعد هناك تنفس فردي..
الكرة الأرضية بأكملها تصدر صوتاً واحداً، شهيقاً واحداً وزفيراً واحداً يرتجف له الفضاء:
خخخخخخ... سسسسسس…
وخلف الشاش الذي يغطي وجهكِ الآن، هناك عين واحدة كبيرة بدأت تنفتح في وسط الميدان.. عين الكيان التي تنظر إلى النجوم، وتبحث عن كوكب آخر.. لتنقل إليه "أنفاسها" القاتلة.في محطة الفضاء الدولية، كان رائد الفضاء الوحيد المتبقي، "آدم"، ينظر من النافذة الزجاجية وهو يرتجف. الأرض التي كان يعرفها، الكوكب الأزرق، اختفت تماماً. بدلاً منها، رأى كرة عملاقة، بيضاء، شاحبة، مغطاة بطبقات لا نهائية من الشاش الذي يبدو وكأنه "جلد ميت" يغلف الكوكب.
لم يكن هناك ضوء مدن، بل كانت هناك نبضات خافته تخرج من تحت الشاش، نبضات قلب مليارات البشر الذين صاروا جسداً واحداً.
فجأة، اهتزت المحطة الفضائية بعنف. نظر آدم لأسفل، ورأى شيئاً جعل عقله ينهار. من المحيط الهادئ السابق، بدأت تخرج يد بيضاء عملاقة، يد تتكون من ملايين الأجساد الملتفة حول بعضها. كانت اليد ترتفع وترتفع، تخترق الغلاف الجوي، وأصابعها - التي هي عبارة عن آلاف البشر المشوهين - بدأت تلامس هيكل المحطة الفضائية.
سمع آدم صوتاً عبر أجهزة اللاسلكي.. لم يكن صوتاً قادماً من الأرض، بل كان صوتاً ينبعث من داخل رأسه:
"آدم.. لماذا تظل وحيداً في البرد؟ انزل إلينا.. نحن هنا لا نموت.. نحن هنا نتنفس للأبد."
لم يستطع آدم المقاومة. تحطمت نافذة المحطة، لكنه لم يمت بسبب انعدام الأكسجين. بدلاً من ذلك، بدأت خيوط الشاش تخرج من أجهزة المحطة ومن ملابسه، تلتف حول عنقه وتسحبه بقوة نحو الأسفل، نحو الكوكب الجائع.
بينما كان يسقط نحو كتلة اللحم العظيمة، رأى الوجوه التي كانت تغطي الكوكب. مليارات الوجوه المغطاة بالشاش، كلها كانت تنظر إليه وتفتح أفواهها في صرخة صامتة واحدة.
وعندما اصطدم آدم بسطح الأرض "اللحمي"، لم يمت. شعر بألف يد تمسكه، وألف إبرة من الشاش تخيط جلده بجلد من حوله. شعر برئتيه تمتلئان بالقيح الأبيض، وبدأ وعيه يذوب في الوعي الجماعي للكيان.
الآن، الكرة الأرضية لم تعد كوكباً في مجرة.. بل أصبحت قبراً يتنفس.
السكون خيم على الفضاء، باستثناء ذلك الصوت الذي صار الآن يملأ الكون:
خخخخخخ... سسسسسس…
لقد تحول العالم كله إلى "جثث تتنفس"، ولا يوجد إله، ولا يوجد موت، ولا يوجد خلاص. يوجد فقط الشاش.. إلى ما لا نهاية.
تمت.