لعنة “بيت الذاكرة المنسية

لعنة “بيت الذاكرة المنسية”
القصة
كان الضباب يلف قرية "وادي الصمت" ككفنٍ ثقيل حين وصل آدم إلى بوابة المنزل. لم يكن البيت قبيحاً بشكل منفر، بل كان يمتلك ذلك النوع من الجمال الكئيب؛ جدران حجرية رمادية، ونوافذ واسعة تشبه أعينًا تراقب القادمين بصمت. استلم المفتاح الصدئ من عجوز لم ينطق بكلمة واحدة، بل اكتفى بالإشارة نحو الباب بيده المرتجفة وغادر مسرعاً.
في الليلة الأولى، كان الصمت في البيت ملموساً، صمتٌ له ثقل يضغط على الأذنين. وضع آدم آلة كتابته على الطاولة الخشبية في الغرفة الرئيسية. كان يظن أن هذا المكان هو منبع الإلهام، ولم يكن يعلم أنه منبع الكوابيس.
مع انتصاف الليل، بدأ يسمع صوتاً غريباً. لم يكن صوت رياح أو احتكاك أغصان، بل كان أشبه بهمس ناعم يصدر من خلف الجدران. وقف آدم، وحمل المصباح، وبدأ يتجول في الرواق. تعثرت قدماه في سجادة قديمة، وعندما خفض المصباح ليرى ما تحتها، وجد باباً سرياً صغيراً في الأرضية الخشبية.
فتح الباب ليجد قبواً ضيقاً تفوح منه رائحة الورق القديم والتراب. في زاوية القبو، كان هناك صندوق معدني مغلق بقفل غريب. وبدون تفكير، وبدافع فضول الكاتب القاتل، حطم القفل بقطعة حديد. لم يجد ذهباً ولا رسائل حب، بل وجد صوراً فوتوغرافية قديمة.. صوراً له!
تجمدت الدماء في عروق آدم. كانت الصور تظهره في مراحل مختلفة من حياته، لكنها كانت مشوهة. في إحداها، كان طفلاً يلعب، لكن خلفه في الظل كان هناك كائن طويل بلا وجه يضع يده على كتفه. في صورة أخرى، كان آدم مراهقاً، لكن عينيه في الصورة كانت ثقوباً سوداء فارغة.
"كيف لهذا أن يكون؟" همس لنفسه، والشعور بالدوار يهاجمه. فجأة، انطفأ المصباح.
ساد ظلام دامس، وبدأ الهمس يتصاعد حتى أصبح صراخاً مكتوماً. ركض آدم صاعداً من القبو، لكنه عندما خرج، لم يجد الغرفة التي تركها. وجد نفسه في ممر لا ينتهي من المرايا. في كل مرآة، كان يرى نسخة منه، لكنها ليست النسخة التي يعرفها. رأى نسخة منه وهو عجوز يحتضر، ونسخة أخرى وهو يرتكب جريمة لم يفعلها قط، ونسخة ثالثة وهو يصرخ طلباً للنجدة خلف زجاج المرآة.
شعر آدم بشيء بارد يلمس رقبته. التفت ببطء ليرى ذلك الكائن الذي كان في الصور. كائن طويل، جلده يشبه الورق المجعد، وبدلاً من الوجه، كان هناك سطح أملس يعكس وجه آدم نفسه.
"أنت لا تذكرني.." خرج الصوت ليس من فم الكائن، بل من داخل عقل آدم. “أنا كل ذكرى أردتَ محوها. أنا كل ألم دفنته في قاع عقلك. هذا البيت لا يسكنه الجن، بل يسكنه ما تحاول الهروب منه.”
حاول آدم الركض، لكن الأرض تحت قدميه بدأت تتحول إلى سائل أسود لزج يشبه الحبر. بدأ يغرق، وكلما غرق أكثر، بدأت ذكرياته تتلاشى. نسي اسم والدته، نسي عنوان بيته، نسي حتى لماذا جاء إلى هنا.
في اللحظة التي كاد فيها الحبر يغطي وجهه، رأى بصيصاً من النور يأتي من النافذة. كانت الشمس بدأت تشرق. وبقوة أخيرة، دفع نفسه نحو النافذة وحطم الزجاج بيده.
استيقظ آدم وهو ملقى على العشب الأخضر خارج المنزل. كانت ملابسه ممزقة ويده تنزف، لكن البيت كان هادئاً تماماً كما رآه أول مرة. لم ينتظر دقيقة واحدة؛ ركب سيارته وانطلق مبتعداً عن "وادي الصمت" دون أن ينظر خلفه.
بعد وصوله إلى مدينته بأيام، جلس في مقهى يحاول استعادة أنفاسه. فتح حقيبته ليخرج دفتر ملاحظاته، فسقطت منه ورقة صغيرة. كانت صورة فوتوغرافية حديثة جداً، التُقطت له وهو يقود سيارته هارباً من القرية. وفي المقعد الخلفي للسيارة، كان يظهر ذلك الكائن الطويل، يبتسم بوجهٍ بدأ يتشكل فيه ملامح آدم تماماً.
أدرك آدم حينها أن البيت لم يتركه، بل سكن بداخله. والآن، في كل مرة ينظر فيها إلى المرآة، لا يرى نفسه، بل يرى الكائن الذي يقتات على ما تبقى من روحه.
النهاية