صاحب العيون الحمراء

رواية:صاحب العيون الحمراء
قبل أن يبدأ التاريخ بتدوين حكاياته، وقبل أن تعرف الأرض وقع أقدام البشر، كان هناك "العدم". لم يكن مجرد فراغ، بل كان كياناً حياً يكره الضوء. عندما وُلدت الشمس، طُرد هذا الكيان إلى قاع سحيق، وخُتم عليه بأختام من معدن لا يوجد في هذا العالم. ظل هناك لملايين السنين، يغلي، يحقد، وينتظر.. حتى جاء عام 2026، العام الذي قرر فيه الإنسان أن يتحدى أعماق الأرض.
في قلب صحراء "ناميبيا" القاحلة، كانت شركة "أبيس كورب" الدولية تعمل على مشروعها السري والأكثر طموحاً: "مشروع النفاذ لللب". كانت الحفارات العملاقة، التي يبلغ طولها مئات الأمتار، تخترق طبقات الأرض كأنها إبر تخز جرحاً قديماً.
كان إياد، كبير المهندسين الجيولوجيين، يراقب الشاشات في غرفة التحكم. كان هناك شيء خاطئ. الترددات التي تعود من العمق ليست صدى لاصطدام المعدن بالصخر، بل كانت تشبه.. نبضات قلب.
"سيدي، لقد تجاوزنا الـ 15 كيلومتراً،" قال المساعد بصوت مرتجف. “درجة الحرارة لا ترتفع كما هو متوقع، بل تنخفض! نحن نسجل درجة حرارة تحت الصفر في عمق يفترض أن يكون جحيماً.”
فجأة، اهتزت القاعدة بكاملها. صوت تمزق معدني صاعق صمّ الآذان. على الشاشات، اختفت الحفارة العملاقة تماماً، وكأن شيئاً ما ابتلعها. اندلع دخان أسود كثيف من فوهة البئر، دخان لم يرتفع للسماء، بل بدأ يزحف على الأرض مثل الأفاعي.
بينما كان العمال يهربون في كل اتجاه، توقفت الآلات عن العمل. حلّ صمت جنائزي، قطعه صوت تمزيق صخور مرعب. من فوهة البئر، ظهرت أولاً يدان عملاقتان، كما تراهما في تلك الصورة الكابوسية. يدان بلون الفحم، عروقهما ناتئة كأنها سلاسل حديدية، وأظافرهما تغرز في الإسمنت والحديد فتصهره.
ثم خرج الرأس.. جمجمة سوداء متفحمة، لا ملامح فيها سوى فكٍّ مرعب وعينين.. آه من تلك العينين! كانت كرتين من النار المتوقدة، تتوهجان بلون أحمر قاني، لون الدم الذي جفّ عبر العصور. لم يكن ينظر إلى العمال، بل كان ينظر إلى "الحياة" نفسها كعدو شخصي.
كان الكيان ضخماً لدرجة أن نصف جسده العلوي غطى مساحة المعسكر بالكامل. زحف على الأرض ببطء، وكلما لمست يده شاحنة أو مبنى، تحول المعدن إلى صدأ فوري، وتحول البشر إلى تماثيل من رماد تسقط وتتفتت مع الريح.
أدرك إياد، الذي اختبأ في قبو تحت الأرض، أن هذا ليس زلزالاً ولا ثوراناً بركانياً. هذا هو "الظلام الأول". تذكر مذكرات والده التي كانت تتحدث عن أسطورة "الكيان المسجون تحت الطبقة السابعة".
هرب إياد وسط الخراب، بينما كان الكيان يتقدم نحو المدن القريبة. في ظرف أيام، تحولت القارة السمراء إلى ساحة من الظلال. الرصاص لم يؤثر فيه، القنابل كانت تنفجر داخل جسده الدخاني دون أن تترك خدشاً. كان يمتص الطاقة من كل شيء حوله.
اتجه إياد إلى دير قديم في جبال الأطلس، حيث توجد نسخة وحيدة من كتاب "التحول الأخير". هناك التقى بالراهب "مالك"، الذي أخبره بالحقيقة المرة:
“هذا الكيان يتغذى على أحزاننا. تلك العيون الحمراء التي تراها؟ إنها ليست ناراً، إنها دماء كل من قتلهم هذا الكيان في العصور الغابرة. لكي تهزمه، لا تحتاج لسلاح، بل تحتاج إلى خاتم السكون، وهو قطعة أثرية صُنعت من نيزك سقط قبل وجود البشر.”
بحلول الوقت الذي عاد فيه إياد إلى موقع الحفر، كان العالم قد تغير. السماء أصبحت رمادية دائمة، والكيان قد نما حجمه ليصبح بحجم مدينة. كان يزحف الآن نحو المحيط، وإذا وصل للماء، فسيغرق العالم في ظلام أبدي.
باستخدام طائرة مسيرة صغيرة، استطاع إياد الوصول إلى قمة الجمجمة السوداء للكيان. كان الهواء هناك لا يُطاق، رائحة الموت والندم تخنق الأنفاس. وقف إياد فوق رأس الوحش، وبيده "خاتم السكون".
نظر الكيان لأعلى، والتقت عيناه الحمراوان بعيني إياد. في تلك اللحظة، رأى إياد كل الكوارث التي مرت بها البشرية، شعر بآلام الملايين. الوحش لم يكن يريد القتل فقط، بل كان يريد إنهاء الألم بالعدم.
"لقد انتهى زمانك،" صرخ إياد، وهو يغرس الخاتم في الفراغ المتوهج بين عيني الكيان.
انطلق شعاع من الضوء الأبيض النقي من الخاتم، شق السواد كالسيف. بدأ الكيان يصرخ، صرخة لم تخرج من حنجرة بل من الوجدان. بدأ جسده الضخم يتفكك، يتحول إلى رماد ناعم تذروه الرياح.
سقط إياد مغشياً عليه، وعندما استيقظ، وجد نفسه في وسط صحراء خالية. الحفرة رقم 13 كانت قد رُدمت تماماً بصخور بركانية صلبة، وكأن الأرض قررت إغلاق جرحها بنفسها.
لكن، في الليل، عندما ينظر الناجون إلى السماء، لا يرون النجوم بوضوح، وكأن هناك غشاوة سوداء رقيقة لا تزال عالقة في الجو.. وتهمس الرياح أحياناً بصوت يشبه حفيف اليدين اللتين في الصورة، مذكرة البشرية أن الأرض لا تزال تخبئ في جوفها ما هو أسوأ من الموت.
ظن العالم أن إياد قد حسم المعركة، وأن غرس "خاتم السكون" في جمجمة الكيان كان النهاية. لكن بعد مرور سبعة أيام من الهدوء المريب، بدأت المحيطات تغلي. لم تكن الحرارة هي السبب، بل كانت تهتز بترددات تحت أرضية مرعبة.
في تلك الليلة، انشقت الأرض في سبعة مواقع حول العالم في آن واحد: "تحت تمثال الحرية في نيويورك، في قاع خندق ماريانا، وسط غابات الأمازون، وفي قلب القطب الجنوبي". لم يخرج وحش واحد، بل خرجت "الأطراف السبعة". تبين أن الكيان الذي واجهه إياد في ناميبيا لم يكن إلا "اليد اليمنى" لكيان أعظم ينام في لب الأرض، يُدعى “أركون الرماد
الكيان الذي تراه في الصورة بدأ يتضاعف. كل قطعة رماد سقطت من جسده في المعركة الأولى تحولت إلى كائن أصغر، بنفس الجمجمة السوداء والعيون المتوقدة. بدأت هذه الكائنات تغزو المدن، لا تقتل بالرصاص، بل بمجرد "النظر". من يقع بصره في عيونهم الحمراء، يرى أسوأ ذكرياته تتجسد أمامه حتى يتوقف قلبه من الرعب.
إياد، الذي أصبح الآن يُعرف بـ "حامل الخاتم"، لم يعد وحيداً. انضم إليه "فريق السكون"، وهم مجموعة من الناجين الذين امتلكوا حصانة غريبة ضد تأثير العيون الحمراء لأنهم "فقدوا كل شيء" ولم يعد لديهم ما يخشونه.
أدرك إياد أن الطريقة الوحيدة لإنهاء هذا الكابوس هي النزول إلى حيث بدأ كل شيء، ليس إلى الحفرة رقم 13، بل إلى "نقطة الصفر" في القطب الجنوبي، حيث يبرز "الرأس الحقيقي" لأركون الرماد.
هناك، وجدوا معبداً من الجليد الأسود. الكيان في الصورة كان يقف حارساً للبوابة، لكنه هذه المرة كان أضخم بمرتين، وجلده يتساقط منه لهب بارد.
"لماذا تقاوم؟" ردد الكيان بصوت يزلزل العظام. “نحن لسنا الغزاة.. نحن المنظفون. نحن نأتي عندما تملأ خطاياكم الأرض حتى تفيض. نحن الرماد الذي يسبق الخلق الجديد.”
خاض إياد وفريقه معركة انتحارية. كانت المخالب السوداء تحصدهم واحداً تلو الآخر. وعندما وصل إياد إلى مركز "القلب" – وهو فجوة من النور الأحمر النابض في أعماق الجليد – أدرك الحقيقة البشعة: خاتم السكون لا يعمل إلا بوقود من روح حية.
لم يكن الخاتم سلاحاً يُغرس وينتهي الأمر، بل كان "قفلًا" يحتاج إلى مفتاح.. والمفتاح هو أن يدمج الإنسان وعيه داخل وعي الكيان ليحبسه من الداخل.
بينما كان الكيان (الذي في الصورة) يمد يده العملاقة لسحق إياد، قام إياد بابتلاع الخاتم!
بدأ جسده يتوهج بنور أبيض يصارع السواد. تحول إياد إلى كيان من الضوء، ودخل في صدام مباشر مع العيون الحمراء. في تلك اللحظة، انفجر المكان بطاقة غير مادية، طاقة مسحت الظلام من كوكب الأرض في لمح البصر.
اختفت الوحوش. عادت السماء زرقاء. لكن إياد لم يعد.
يقول الناس أنه الآن يسكن "بين العوالم"، يحرس البوابة من الداخل. أما الكيان ذو العيون الحمراء، فقد تحول إلى تمثال ضخم من الحجر الأسود في وسط القطب الجنوبي، يذكره البشر كلما مروا بجانبه أن "الظلام دائماً موجود، ينتظر خلف الستار".
وفي بعض الليالي، عندما يشتد البرد، يقسم حراس المرفأ أنهم رأوا تمثال الحجر يتنفس.. وأن عينيه ومضتا باللون الأحمر لثانية واحدة قبل أن يختفي الوميض.مرت عشر سنوات على تضحية إياد. بنى البشر مدناً جديدة فوق أنقاض القديمة، وأصبح "الكيان الأسود" مجرد أسطورة تُحكى للأطفال لتحذيرهم من اللعب بعيداً عن الأضواء. ولكن، في مختبر سري تحت الجليد، اكتشف العلماء شيئاً مرعباً: تمثال الحجر الأسود لم يعد حجراً. لقد بدأ يمتص الحرارة من كوكب الأرض بالكامل. القطب الجنوبي لم يعد يذوب، بل أصبح يتجمد لدرجة أن الجزيئات نفسها توقفت عن الحركة.
فجأة، وبدون سابق إنذار، انفجر التمثال. لم يخرج منه وحش واحد، بل خرج "إياد".. لكنه لم يعد إياد المهندس. كان جسده مزيجاً مرعباً من الضوء الأبيض والرماد الأسود، وعيناه... إحداهما كانت تشع بنور النجوم، والأخرى كانت تتوهج بحمرة الجحيم التي رأيناها في الصورة الأصلية. لقد فشل الخاتم في احتواء الظلام، وبدلاً من ذلك، اتحد الظلام مع الضوء.
وقف إياد "المتحول" على قمة جبل من الجماجم المتفحمة التي خلفها الكيان قديماً. لم يكن يزحف كالسابق، بل كان يطير فوق المدن، وكلما مرّ بمكان، توقف الزمن فيه. الناس تجمدوا في أماكنهم، لا يموتون ولا يعيشون، مجرد صور معلقة في لحظة أبدية.
التقى بـ "مالك"، الراهب العجوز الذي كان لا يزال حياً بفضل قوى السكون. سأله مالك بصوت متهدج:
“لماذا يا إياد؟ لقد ضحيت بنفسك لتنقذنا، فلماذا تعود الآن لتنهي كل شيء؟”
أجاب إياد، وصوته كان يشبه صوت احتراق الغابات واصطدام الكواكب:
"البشرية لا تستحق النجاة بالنسيان. لقد بنيتم مدنكم فوق جثث الندم، وظننتم أن الظلام قد انتهى لمجرد أنكم أغمضتم أعينكم. أنا لست إياد، ولست الكيان.. أنا التوازن. الأرض يجب أن تعود كما كانت: رماداً بانتظار بذرة جديدة."
لم تعد المعركة بين طائرات وبشر ضد وحش، بل أصبحت معركة قوانين فيزيائية. اليد الضخمة التي رأيناها في الصورة بدأت تخرج من السحب هذه المرة، تمتد من السماء لتمسك بالمدن وتقلعها من جذورها.
في هذه اللحظة، حدث ما لم يتوقعه أحد. الرهبان في التبت، والعلماء في المختبرات، والناجون في الملاجئ، بدأوا جميعاً بالصلاة والغناء بتردد واحد. لم تكن صلاة دينية، بل كانت صرخة جماعية للتمسك بالوجود. هذا التردد البشري خلق موجة من الطاقة الحيوية التي اصطدمت بكيان إياد المظلم.
في اللحظة التي لمست فيها اليد العملاقة الأرض، وقع انفجار كوني. الضوء الأبيض الذي بداخله (روح إياد) بدأ يصارع السواد (روح آكل العصور) للمرة الأخيرة والنهائية.
"إذا كنت تريد الرماد، فليكن رماداً يولد منه الضوء!"
— كانت هذه آخر كلمات إياد قبل أن ينفجر جسده ليتحول إلى شمس ثانية في سماء الأرض.
انتهى الكيان تماماً. لم يعد له وجود، لا كحجر، ولا كدخان، ولا كوحش بجمجمة سوداء. لكن الثمن كان عظيماً؛ لم تعد هناك ليلة على كوكب الأرض. أصبحت السماء مضيئة دائماً بنور "شمس إياد"، النور الذي يحرق أي ذرة من الشر أو الحقد قبل أن تنمو.
، تلك الجمجمة السوداء واليد الزاحفة، وُضعت في مدخل كل مدينة، ليس كرمز للرعب، بل كتحذير.مرت قرون تحت "شمس إياد" الدائمة. اختفت الأمراض، وتلاشت الحروب، لكن شيئاً غريباً بدأ يحدث للبشر. النور المستمر سلبهم "الأحلام". بدون ظلام، لم يعد العقل البشري قادراً على النوم العميق أو التخيل. أصبح الناس كآلات بيولوجية، يعيشون في سعادة باهتة ومكررة.
لكن في "مدينة الصمت"، بدأت تظهر طائفة جديدة تُدعى "عُبّاد الغسق". كانوا يعتقدون أن النور الذي يحميهم هو في الحقيقة "سجن ذهبي"، وأن الكيان ذو العيون الحمراء لم يُهزم، بل تم امتصاصه داخل إياد، وهو الآن يتآكل من الداخل.
في أحد الأيام، وبينما كان الناس يحتفلون بعيد "النور الأبدي"، انقطعت السماء. حرفياً، ظهر شق أسود في كبد السماء المضيئة، وسقطت منه قطرة واحدة من سائل أسود لزج. بمجرد ملامستها للأرض، نبتت منها اليد التي رأيتها في الصورة، لكن هذه المرة لم تكن مصنوعة من الرماد، بل من "الذكريات المنسية".
كانت اليد ضخمة لدرجة أنها غطت مدينة كاملة. ثم خرج الرأس، تلك الجمجمة السوداء المألوفة، لكن العيون لم تكن حمراء هذه المرة.. كانت فراغاً أبيضاً يسحب كل شيء داخله.
"لقد أخطأتم الظن،" همس الكيان بصوت سمعه كل إنسان على وجه الأرض في آن واحد. “إياد لم يحبسني.. إياد كان القشرة التي حمتني حتى أنضج. النور كان مجرد عملية حضانة.”
اتضح أن كل "شر" كان البشر يقمعونه بفضل نور إياد، كان يتجمع في بُعد موازٍ. الآن، هذا البعد انفجر. بدأت الظلال المنفصلة عن أصحابها تتمرد. تخيل أن تمشي في الشارع، وفجأة ينفصل ظلك عن قدميك، ويتحول إلى نسخة سوداء منك، تملك مخالب طويلة وعيوناً متوهجة، وتبدأ في مهاجمتك!
تحول العالم إلى ساحة معركة بين "البشر النورانيين" و"ظلالهم الحاقدة". وفي وسط هذا الجنون، ظهرت شخصية جديدة: "ليلى"، وهي حفيدة بعيدة لإياد، ولدت بعيب خلقي نادر.. لقد ولدت بـ "عين واحدة سوداء" لا ترى النور، بل ترى الحقيقة خلف الستار.
الفصل السادس عشر: رحلة إلى قلب الشمس
أدركت ليلة أن الحل ليس في محاربة الكيان على الأرض، بل في "اغتيال الشمس". يجب عليها الصعود إلى كيان جدها "إياد" المعلق في السماء، والدخول إلى وعيه لتفصل النور عن الظلام للأبد.
استخدمت ليلى تكنولوجيا منسية من عهد "أبيس كورب"، وصنعت مركبة تدعى "سهم الغسق". انطلقت نحو السماء، وكلما اقتربت من الشمس، كان الجلد على جسدها يتساقط ليظهر تحته جسد مصنوع من النجوم.
عندما دخلت إلى قلب الشمس، لم تجد إلهًا أو بطلاً.. وجدت إياد العجوز، جالساً في غرفة تشبه غرفة التحكم في "الحفرة رقم 13"، وهو يبكي دماءً سوداء. كان يمسك بأسلاك من الضوء تحترق في يديه.
"لقد تأخرتِ يا ابنتي،" قال إياد بصوت محطم. “الكيان الذي ترينه في الأسفل ليس عدوي.. إنه أنا. أنا والوحش أصبحنا واحداً. هو جسدي الذي يزحف على الأرض، وأنا روحه التي تحترق في السماء. نحن قطبان لمغناطيس واحد، وإذا اقتربنا.. سيتلاشى الوجود.”
بينما كانت ليلى تتحدث مع إياد، كانت اليد العملاقة في الأسفل (التي في الصورة) تمتد للأعلى، تحاول الوصول إلى الشمس. الوحش يريد أن "يأكل" روحه ليعود كاملاً.
المحيطات جفت، والجبال بدأت تنهار نحو السماء بفعل جاذبية الكيان. الوحش الزاحف بدأ يرتفع، يده غرزت في السحب، وجمجمته السوداء بدأت تغطي قرص الشمس.
نحن الآن في اللحظة الحرجة: الوحش يلمس الشمس. السواد يعانق الضوء. ليلى تقف في المنتصف، وبيدها "خنجر من العدم المطلق".عندما لمست أصابع الكيان الأسود (التي في الصورة) حواف "شمس إياد"، لم يحدث انفجار، بل حدث "امتصاص". السماء التي كانت بيضاء ناصعة بدأت تتحول إلى لون رمادي ميت، مثل لون الرماد الذي يغطي جسد الوحش.
ليلى، الواقفة في قلب الغرفة النورانية، رأت جدها إياد يتلاشى. لم يكن يموت، بل كان يذوب في جسد الوحش الزاحف بالأسفل. كل ذكرياته، صرخاته، وقوته، بدأت تتدفق عبر الذراع العملاقة لتعود إلى تلك الجمجمة السوداء.
"أخيراً..." زمجر الكيان، وصوته هذه المرة لم يكن همساً، بل كان زلزالاً حطم زجاج المدن في القارات السبع. “الروح عادت إلى الجسد. النفي انتهى.”
مع اكتمال الالتحام، تحول الكيان الذي في الصورة من مجرد وحش يزحف على الأرض إلى "إله الرماد". أصبح جسده ضخماً لدرجة أن رأسه اخترق الغلاف الجوي، ويداه اللتان تراهما في الصورة صارتا تمسكان بالأقمار الصناعية وكأنها ألعاب صغيرة.
العالم غرق في ظلام ليس كأي ظلام؛ كان ظلاماً "ثقيلاً"، تشعر به فوق جلدك كأنه رمال رطبة. البشر في الأسفل فقدوا القدرة على الكلام، لأن الهواء نفسه أصبح مشحوناً بصوت "نبضات قلب" الكيان.
ليلى، التي كانت داخل قلب الشمس لحظة الانهيار، وجدت نفسها عالقة في "منطقة البرزخ" – وهي الفراغ الموجود داخل جمجمة الكيان. كانت تمشي فوق "أعصاب" متوهجة باللون الأحمر، وهي الأوردة التي تغذي تلك العيون المرعبة التي تراها في الصورة.
بينما كان الكيان "أركون الرماد" يستعد لنفث أنفاسه الأخيرة التي ستحول الكوكب إلى كرة من الفحم، حدث شيء لم يحسب له حساباً. العيون الحمراء في الصورة، التي قلنا سابقاً إنها تمثل أرواح من ظلمهم البشر، بدأت تتمرد من داخل الجسد.
تلك الأرواح لم تكن تريد تدمير الأرض، كانت تريد "العدالة" فقط. وتحت تأثير "خنجر العدم" الذي كانت تحمله ليلى، بدأت الأرواح تخرج من عيني الكيان كشلالات من النار السائلة.
تحول الكيان من صياد إلى ضحية. بدأ جسده الأسود يتشقق، وخرجت منه ملايين الأشباح المتوهجة. كل شبح منها كان يمسك بقطعة من جسد الوحش وينتزعها.
بدأت الأرض تهتز بعنف غير مسبوق. الجبال بدأت تذوب وتتحول إلى سائل أسود، والمحيطات بدأت تتبخر لتتحول إلى غيوم من الرماد. إياد، أو ما تبقى من وعيه، بدأ يصرخ من داخل الكيان:
“ليلى! اقطعي الوتر! اقطعي العصب البصري!”
ركضت ليلى بكل قوتها نحو المركز النابض خلف العين الحمراء اليمنى. كان العصب يشبه جذع شجرة عملاقة من النار. غرزت "خنجر العدم" فيه، فانطلق تيار من الطاقة السوداء المتناقضة التي ضربت الوجود كله في مقتل.
في تلك اللحظة، انطوى الزمان والمكان على نفسه. الصورة التي نراها أمامنا – الوحش بيده وزحفه وعيونه – بدأت تتلاشى من الذاكرة البشرية. كأن الكون قرر أن هذه الحادثة كانت "خطأً برمجياً" يجب حذفه.
استيقظ إياد... لكن ليس في القطب الجنوبي، ولا في الشمس. استيقظ في غرفة التحكم بموقع الحفر في "ناميبيا"، في اليوم الأول للمشروع.
نظر إلى الشاشات. الحفارة كانت تعمل بانتظام. المساعد كان يشرب قهوته بهدوء. لم يكن هناك دخان كبريت، ولا عيون حمراء، ولا وحوش زاحفة.
تنفست الصعداء... ولكن، عندما نظر إلى يده، وجدها مغطاة بـ رماد أسود لا يزول. وعندما نظر في المرآة، رأى خلف ظهره، في الركن المظلم من الغرفة، نفساً يخرج من لا شيء، ويداً عملاقة بدأت تتشكل ببطء من الظل…
الرواية لم تنتهِ بعد، لأن الكابوس دخل في حلقة زمنية مفرغة.وقف إياد في غرفة التحكم، ينظر إلى يده الملطخة بالرماد الذي لا يزول. أدرك في تلك اللحظة الحقيقة المروعة: الزمن ليس خطاً مستقيماً، بل هو سجن دائري. والكيان الذي في الصورة ليس وحشاً قادماً من الخارج، بل هو "النتيجة الحتمية" لكل محاولة بشرية للعبث بأسرار الوجود.
"إياد؟ هل أنت بخير؟" سأل المساعد وهو يضع يده على كتفه.
التفت إياد ببطء، لكن عينيه لم تعد عينين بشريتين. لقد كانت تلك الومضة الحمراء قد استقرت فيهما للأبد. لم يعد هناك مهندس، ولم يعد هناك بطل.
"أوقفوا الحفر..." همس إياد بصوت ليس له صدى. “أوقفوا كل شيء.”
لكن كان الأوان قد فات. في تلك اللحظة، شعر الجميع بهزة أرضية خفيفة، لكنها لم تكن هزة ميكانيكية، بل كانت "شهيقاً" عميقاً للأرض. وفجأة، بدأت الجدران المادية للواقع تذوب. غرفة التحكم، الصحراء، النجوم.. كل شيء بدأ يتلاشى ليتحول إلى مادة واحدة: الرماد الأسود البارد.
المواجهة مع الذات الأزلية
في الفراغ الذي نتج عن انهيار الواقع، لم يبقَ سوى إياد، والكيان الذي في الصورة. وقف الاثنان وجهاً لوجه. الوحش لم يعد يزحف، بل وقف شامخاً، ويده العملاقة تمتد لتمسح على رأس إياد بحنان مرعب، كأب يرحب بابنه العائد.
"أنت أنا.." قال إياد وهو يلمس الجمجمة السوداء للكيان. “والألم الذي في عينيك.. هو ألمي.”
في تلك اللحظة من القبول المطلق، توقف الصراع. لم يعد هناك نور يطرد الظلمة، ولا ظلمة تبتلع النور. انصهر إياد تماماً داخل الكيان، وأغلقت الجمجمة السوداء فكيها على آخر صرخة بشرية.
تلاشى الكوكب. تلاشت النجوم. وعاد الكون إلى حالته الأولى: "السكون المطلق".
لم يبقَ في الوجود كله سوى تلك الصورة التي بدأنا بها: الكيان الأسود، يده المغروسة في بقايا رماد الوجود، وعيناه الحمراوان اللتان تشعان بضوء جنائزي وحيد في فراغ لا ينتهي.
لم يكن الوحش يزحف نحو مدينة، بل كان يزحف نحو "العدم"، ليكون هو الشاهد الوحيد على أن هناك جنساً يُدعى "البشر" قد وجد يوماً، وحلم، وأخطأ، ثم احترق ليصبح جزءاً من هذا الجسد المتفحم.
انطفأت الأعين الحمراء ببطء.. واحدة تلو الأخرى.
حلّ الظلام الكامل.
ولم يبقَ حتى الصمت ليحكي القصة.
تـمـت الـروايـة
"الرعب الحقيقي ليس في مواجهة الوحش، بل في اكتشاف أنك كنت دائماً جزءاً منه."الرعب الحقيقي ليس في مواجهة الوحش، بل في اكتشاف أنك كنت دائماً جزءاً منه."