ارض نسترادا (الجزء الثاني) العنوان الرئيسي الاول ، الفرعي الاول، الفرعي التاني ، الفرعي الثالث
أول يوم في قصر نسترادا
عند هبوط الطائرة في ساحة قصر نسترادا، نزلت راما برفقة المساعد وماري والحراس. ارتسمت على ملامحها الدهشة من تغيّر واجهة القصر والحديقة التي طالما أحبت اللعب فيها. أما ماري فكانت تنظر بذهول إلى جمال القصر.
قالت ماري بإعجاب:
— قصركم يفوق جمال مملكة الزنبق بكثير.
أجابتها راما بغضب وحزن دفين:
— هذا ليس المكان الذي تربيت فيه أبدًا… لا أشعر بالانتماء إلى هذا المكان.
تفاجأت ماري وسألتها:
— ماذا تقصدين بهذا الكلام؟
قالت راما وهي تتأمل المكان بدقة:
— أشعر أننا في مكان مختلف تمامًا عن القصر الذي وُلدت فيه. الحديقة التي كانت تتبع القصر القديم كانت في الاتجاه الشرقي، وهو نفس الاتجاه الذي كنا ندرس عنه في الجبل، والمعلومات التي جمعناها كانت تؤكد ذلك. أما هنا، فالحديقة تقع في الاتجاه الغربي. في الوهلة الأولى ظننت أنه مجرد تغيير في ديكور القصر، لكن الأمر أعمق من ذلك… هذا تغيير شامل، وكأن القصر هُدم وأُعيد بناؤه من جديد. لكن هذا مستحيل… لأن هدم وبناء قصر نسترادا سيكون سبقًا صحفيًا وفضيحة مدوية. ولو كان حدث شيء كهذا لما تُركت في الجبل طوال تلك السنوات. المعلم راوني لم يكن ليفوّت فرصة كهذه… كان سيبيعني كجارية أو محظية لأبناء النبلاء الفاسدين أو لأصحاب المناصب العليا.
بدأت ماري تفكر بقلق، ثم قالت:
— إذن… نحن في قصر مختلف عن قصر نسترادا الحقيقي؟ ولكن لماذا؟
ردت راما بثبات:
— هذا هو قصر نسترادا الشمالي… قصر "دمع القلوب". وجودنا هنا مجرد اختبار من السيد نسترادا. والدليل أن المساعد لم يتحدث حتى الآن. يبدو أن أبي يريد التأكد من قدرتنا على التحليل، ومن خبرتنا المعرفية التي اكتسبناها في الجبل. لذلك علينا أن نثبت كفاءتنا… وأول خطوة هي كسب المساعد في صفنا.
وفي تلك اللحظة اقترب المساعد قائلًا:
— الغرف تم تجهيزها، سيدتي. يمكنكن الذهاب للراحة حتى يُجهَّز طعام الغداء.
قاطعته راما بنبرة حادة:
— نحن لم نأتِ للراحة. جئنا للتعلم وصقل مهاراتنا القتالية. يجب أن تعلم أن اللعب معي لن يفيدك. احذر في خطواتك… أنت لا تتعامل مع فتاة ساذجة، بل مع فتاة عانت منذ الثامنة ولم تعرف معنى الراحة. كنت أظن أنك ستشرح لنا سبب وجودنا في قصر دمع القلوب بدلًا من أرض نسترادا، لكنك ما زلت تعاملنا كجواسيس أو أعداء. وأعلم جيدًا أننا محاطون بحوالي مئة وخمسين جاسوسًا في جهة الحديقة والمرفأ. لا أنصحك بالإنكار… فلن يفيدك.
ثم أضافت بحدة:
— وأين المدربون الذين اتفقنا عليهم؟ أم أنك كنت تنوي إسكاتي فقط؟
حُوصِر المساعد بأسئلتها وتحليلها الذكي، فقال بهدوء:
— أنا أنفذ أوامر سيدي فقط. لكنني لم أنسَ اتفاقنا. تم تجهيز جميع المدربين الذين طلبتهم: التدريب على الأسلحة النارية، وأسلحة الهجوم عن بُعد، وأسلحة القتال القريب. كما جهزت معلمين متخصصين في الفنون الخاصة بالقصر والتعامل مع طبقة النبلاء. وأعتذر عن سوء الفهم. نحن الآن في مدينة نسترادا الشمالية، المدينة المسؤولة عن تربية الخيول وتدريب الجنود، ومدينة التنوع في الثمار المهجنة والفواكه النادرة، وأيضًا مركز الرحلات التجارية البحرية.
قالت راما ببرود:
— لم تقل شيئًا جديدًا. هذه المعلومات موجودة في كتاب "العوالم الست الأسطورية" — النسخة السادسة عشرة. ما أريد معرفته هو نوايا السيد نسترادا الحقيقية. لماذا أعادني إلى أرض نسترادا الشمالية تحديدًا؟
ساد الصمت لبرهة…
اعتراف المساعد بالحقيقة
قال المساعد أخيرًا:
— هناك أشياء كثيرة يجب توضيحها لكِ يا آنسة راما، لكن لن أستطيع قول كل شيء الآن. يكفي أن تعرفي أننا لسنا أعداء، وأنني هنا لحمايتك ودعمك… حتى لو لم يكن ذلك برغبة مباشرة من السيد نسترادا.
ثم أضاف:
— هذا ليس المكان المناسب للحديث. سأوضح لك سبب وجودك، لكن ليس الآن. يجب أولًا أن أُعرّفك على كل شخص وكل جزء من هذا القصر ومن مدينة نسترادا الشمالية.
اضطرت راما للموافقة ظاهريًا، وذهبت مع ماري إلى غرفتهما. لكنهما تجاهلتا نصيحته بالراحة وبدأتا مناقشة الأمر.
انفجرت راما ضاحكة:
— إنه جاهل… لو كان يعلم أكثر مما يقول لما لمح بشيء. الآن فهمت لماذا اختاره أبي. لكن علينا معرفة ما يعرفه فعلًا… ويجب ألا يدرك أننا نعرف سبب وجودنا هنا.
ضحكت ماري:
— يبدو أن لعبتنا انطلت عليه… لا يعلم حتى بعدد الجواسيس.
لكن راما قالت بجدية:
— ومع ذلك قال إنه مستعد لدعمنا دون إرادة أبي. إن وصل هذا الكلام إلى السيد نسترادا فسيُمحى هو ونسله. هناك تناقض في شخصيته… يريدنا أن نراه مغفلًا، وفي الوقت نفسه شخصًا مهمًا. أعتقد أن هناك اتفاقًا بينه وبين أبي. علينا التهدئة وحساب كل نفس في هذا القصر.
دخلت الخادمة قائلة:
— الطعام جاهز، سيدتي.
وفي لحظة واحدة قالت راما وماري:
— يبدو أن اللعبة بدأت حقًا.
طاولة الطعام مليئة بالأسرار
عند نزول راما وماري لتناول الغداء مع المساعد، لاحظت راما حركة غريبة عند الباب الخلفي للقصر، لكنها تعمدت عدم إظهار انتباهها. بعد ذلك ذهبت إلى طاولة الطعام، ولاحظت وجود رموز على كل كرسي، وحتى على الطاولة نفسها، كأن المكان مخصص لأداء طقوس معينة، أو أن الرموز تعبر عن الأشخاص.
قطعت أفكارها كلمات المساعد وهو يشير لها إلى كرسي معين للجلوس عليه، وأشار لماري إلى كرسي بلا أي رمز.
سألت راما المساعد عن سبب الرموز ولماذا أشار إليها بهذا الكرسي تحديدًا، فبدأ يوضح:
— هذا الرمز يخصك، يا الآنسة الوسطي من عائلة نسترادا.
طلبت راما توضيحًا أكبر، فأجابها:
— هذا الرمز يمثل "المانة" الخاصة بك، قوتك الداخلية المستمدة من العيون السيريالية. عند تحرر هذه القوة ستشعرين بتدفق هائل في جسدك، ويجب عليك تعلم التحكم بها قبل أن تتحرر بالكامل.
تذكرت ماري حين غضبت راما من قطاع الطرق في الجبل، كيف تغير لون عينيها بشكل كامل، وخافت عليها من شدة القوة التي شعرت بها أثناء القتال، مما جعلها تدرك أن راما أكثر تقدمًا من الوقت العادي.
سألت راما عن باقي الرموز، فأوضح المساعد أنها تخص أخواتها، مما أظهر الغضب على ملامحها، لكنها حاولت إخفاءه وقالت:
— دعونا نبدأ بتناول الطعام، يومنا طويل ولن يكون هناك وقت لتضييع الوقت.
خطة استكشاف أرض نسترادا
بعد الانتهاء من الغداء، بدأت راما وماري التجهيز للخروج مع المساعد لاستكشاف أرض نسترادا والتعرف على كل ما فيها. بعد الانتهاء من الجولة الأولى، أخبرهن المساعد أنهن سيستقلن السيارة للتجول في المدينة، ثم الخيول لاستكشاف القرى والسوق المحلية، وأخيرًا زيارة الموانئ التجارية، على أن يعودن إلى القصر في نهاية الأسبوع بعد انتهاء المساعد من شرح خط السير.
ظهر الحماس على وجهي راما وماري، فهنَّ يخططن لاستغلال هذه الفترة لكسب ود أهل القرى والمدينة ومعرفة خبايا وأسرار الأرض.
استقلن السيارة، ومن باب الفضول سألت راما المساعد عن اسمه، فأجاب:
— اسمي كارل، ولدت في عائلة من الطبقة فوق المتوسطة، أعمل كرئيس لحرس قصر نسترادا، وأنا الذراع اليمنى للسيد نسترادا.
قررت راما أن تكسب ثقة هذا المساعد إلى أقصى درجة، لتتمكن من السيطرة على الموقف مستقبلاً.
رحلة الاستكشاف مليئة بالأسرار
بدأت رحلة استكشاف أرض نسترادا في المدينة، وكانت من أجمل المشاهد التي رأت راما وماري. تجولن بين المحلات المختلفة المليئة بالاستايلات العصرية والكلاسيكية.
بما أن راما وماري على علم بكل ما يحدث في عصرهن، أثار ذلك اندهاش المساعد، فهو كان يتوقع أسئلة طويلة منهن طوال الطريق، لكن الوضع كان مختلفًا تمامًا، فهن يعرفن ما يريدن مسبقًا.
قالتا راما وماري:
— لقد اشترينا ما نريد، يمكننا العودة والانتظار في السيارة.
انصدم المساعد من كمية الحقائب المملوءة بالملابس والأحذية ومستحضرات التجميل، وقبل أن يحاول النقاش، هربت الفتاتان، وتركن الحقائب في السيارة، وبدلن ملابسهن بما اشتروه دون علمه، وانطلقن للتجول بحرية.
عاد المساعد ليجد المفاجأة وقال في نفسه:
— انتهى أمري… السيد نسترادا سيقطع رأسي إذا علم أن ابنته هربت وخدعتنا.
أمر الحرس بالانتشار في المدينة للبحث عنهن، وسائق السيارة بالتحرك معهم، بينما كانت راما وماري يتجولن فوق الأسطح، يراقبن المدينة وأحوال الناس. لاحظتا أن معظم السكان فقراء، وأن العائلات النخبة قليلة وثرية.
سمعت راما صراخ امرأة فقيرة، ورأت رجلًا من العائلات النخبة يسيء إليها ويضربها. لم تحتمل راما الموقف، فنزلت للدفاع عنها قائلة:
— أبعد يدك النجسة عنها فورًا، وإلا سترى مني ما لا يرضيك.
سخر الرجل وحاول الاعتداء عليها، لكن راما قضت عليه بضربة واحدة، وأمر حراسه بملاحقتها. بدأت راما وماري عملية مراوغة وإتقان، واستطاعتا التغلب عليهم جميعًا، وأنقذت المرأة العجوز وأمنت لها مكانًا آمنًا، أعده أتباع راما السريون ليكون مقرها السري، وبداية شعلة الإصلاح والانتقام لها.
بعد انتهاء المراوغة، حصلت راما على هاتف أحد الحراس خلسة، وعلمت الرمز السري للاتصال بكامل، فتواصلت معه بعصبية، وسألها عن مكانها. قالت:
— أولًا لقد أرسلت صورة لأحد الحمقى ليعرف مصدر النفوذ والنقود، ثانيًا سنلغي رحلة الاستكشاف، ثالثًا سنتقابل في قصر نسترادا، ويجب ألا تخبر السيد نسترادا لأنه لن يكتفي بي فقط بل سيراقب باقي الحرس وعائلتي.
وافق المساعد على تعليماتها، فقد لم يكن له خيار، ثم قالت له:
— عد إلى القصر، وسأعود عند الانتهاء من مهمتي، وحوّل لي مبلغًا يكفي لمدة أسبوعين.
حوّل لها المساعد حوالي ٣٥٠،٠٠٠ دولار، فأخبرته أن ينسى أمر ملاحقتها، وأنها ستعود من تلقاء نفسها خلال هذه المدة، مع تجهيز كل ما طلبته منها في الجبل لإتمام المهمة، ثم أغلقت الخط، وحوّلت المال إلى فيزتها، وقسمت المبلغ بينها وبين ماري، وغيرت الخط لتجنب إزعاج المساعد.
ذهبت راما مع ماري إلى حانة قريبة لتناول الطعام، حيث ساعدها أحد أتباعها السريين في نقلها، وزودها بملابس مناسبة للتخفي، وأعطاها هوية مزيفة لها ولـ ماري باسم "ليونا" و"ليريا".
الوجهة الأولى: راما وماري
في اليوم التالي، بدأت راما وماري بالتجهيز للتجول في قرية النيزك، مرتديات الملابس الجديدة، ومع هوياتهن المزيفة، ووضعتا خطة للتجول: أولًا سوق الفاكهة النادرة، ثم ساحة القتال، ثم الميناء لحجز الرحلة إلى قرية نينوا، المشهورة بالسحر، والتي لا يسمح بدخولها إلا لأصحاب المانة القوية.
خلال التجول في السوق، فوجئت راما بأسعار الفاكهة النادرة وكثرة وجودتها المثيرة للشك. لاحظتا أن التجار يغشون في الوزن والميزان، ويتركون الباقي للتصدير أو يبيعونه للنبلاء بأسعار أقل، على أمل كسب ثقة الطبقة العليا، أو الحصول على وظيفة في القصر أو في بيوتهم الفخمة كخدم أو منمقين للحديقة، مقابل راتب ضئيل.
أثناء التجول، لاحظت راما بعض الزهور العلاجية النادرة التي لم يعرها أحد اهتمامًا رغم جودتها الممتازة، وقررت هي وماري التحقق منها عن قرب.
لكن قبل الوصول، صُدمت ماري عندما رأت موكبًا وعربة مزينة بزهر الزنبق. التفت الأمير إليها، فردت راما:
— أخي ليريا، يا لها من عربة راقية وجميلة! لم أر مثلها من قبل.
فهمت ماري سبب كلام راما وقالت:
— أجل، اختي، لقد أذهلتني رقيها… لم أر مثلها من قبل.
ابتعد الأمير وهو يضحك بغرور، فتنفست ماري الصعداء وشكرت راما. ثم ذهبتا إلى السيدة العجوز التي تبيع الزهور. لاحظتا الحزن على ملامحها، فسألتها راما عن سبب حزنها، فأخبرتها أن أختها كانت تبيع الزهور العلاجية في المدينة، لكنها لم تظهر بعد، وخشيت أن تتعرض للأذى.
سألت راما إذا كانت تحمل صورة لأختها، فأراها العجوز، وابتسمت راما وماري… فقد علمتا أن أختها في مكان آمن. أخبروها أنهما يريدان شراء كل الكمية، فدهشت العجوز، ثم سألت إذا التقتا أختها من قبل، فأخبرتاها بكل شيء حدث.
شعرت العجوز بالحزن علي ما حدث مع اختها ، لكنها وافقت على مرافقة راما وماري في رحلتهما، ووعدتهن بالمساعدة الكاملة.

