لعنة المرايا المكسورة: السر الذي ابتلع سكان المنزل القديم

لعنة المرايا المكسورة: السر الذي ابتلع سكان المنزل القديم

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about لعنة المرايا المكسورة: السر الذي ابتلع سكان المنزل القديم

 

لعنة المرايا المكسورة: السر الذي ابتلع سكان المنزل القديم

صدى الغرف المنسية: الجزء الأول

لم يكن "ياسين" يؤمن بأن الجدران تملك ذاكرة، حتى انتقل إلى ذلك المنزل الريفي القديم في أطراف مدينة "المنصورة". كان منزلاً شيد في أربعينيات القرن الماضي، بأسقف عالية ونوافذ خشبية تئن كلما لامستها الريح. اشتراه بثمن بخس، وهو أمر كان ينبغي أن يثير ريبته، لكن رغبته في العزلة لإنهاء روايته الجديدة كانت أقوى من حذره.

الليلة الأولى: الهمس خلف الخشب

في الليلة الأولى، كان الصمت ثقيلاً. وضع ياسين آلة كاتبته على المكتب الخشبي العتيق في الغرفة العلوية. وبينما كان يغرق في أفكاره، سمع صوتاً غريباً. لم يكن صوت ريح، بل كان يشبه احتكاك أظافر بجلد جاف.

جاء الصوت من خلف خزانة الملابس الضخمة. توقف ياسين عن الكتابة، وحبس أنفاسه.

تك.. تك.. خربشة..

قام ببطء، وحمل مصباحه اليدوي. وجه الضوء نحو الزاوية المظلمة خلف الخزانة. لم يجد شيئاً سوى غبار كثيف وعنكبوت صغير ينسج خيوطه. سخر من نفسه قائلاً: “إنها مجرد فئران الجدران يا ياسين، لا تجعل خيالك الروائي يفسد ليلتك.”

الطقس يتغير.. والبيت أيضاً

مع مرور الأيام، بدأت أشياء صغيرة تتغير. كان يترك فنجان القهوة على المكتب، ليجده عند عودته في المطبخ. الأبواب التي يغلقها بإحكام يجدها مواربة في الصباح. لكن الحدث الأغرب وقع في اليوم السابع.

كان ياسين يستحم عندما تغلغل بخار الماء في أرجاء الحمام، غطى البخار المرآة تماماً. عندما خرج ومسح بيده جزءاً من المرآة ليرى وجهه، تجمّد الدم في عروقه. خلف انعكاس وجهه في المرآة، كان هناك خيال لامرأة ترتدي ثوباً أسوداً قديماً، تقف عند باب الحمام.

التفت بسرعة.. لم يكن هناك أحد.

نظر إلى المرآة مرة أخرى.. كان الخيال قد اختفى، لكن بقيت جملة مكتوبة بإصبع على بخار الماء: “لماذا فتحت الباب؟”

نقطة التحول: القبو المجهول

في تلك الليلة، لم يستطع ياسين النوم. قرر استكشاف القبو الذي لم يقترب منه منذ وصوله. كان القبو مغلقاً بقفل حديدي صدئ. باستخدام مطرقة، حطم القفل ودخل.

كانت الرائحة هناك مزيجاً من العفن والورق القديم. وفي وسط الغرفة، وجد صندوقاً خشبياً صغيراً بدا وكأنه جديد مقارنة بكل ما حوله. فتحه ليجد بداخله:

مرآة يدوية مكسورة.

خصلة شعر شقراء مربوطة بخيط أسود.

مذكرات يعود تاريخها لعام 1952، مكتوبة بخط يد مرتجف.

فتح الصفحة الأولى، وقرأ السطر الوحيد المكتوب فيها:

“البيت لا يحب الغرباء، هو لا يطردهم.. هو يبتلعهم ليصبحوا جزءاً من جدرانه.”

شعر ياسين ببرودة مفاجئة تجتاح المكان، وفجأة، انطفأ المصباح اليدوي. في الظلام الدامس، سمع نفساً حاراً خلف أذنه اليمنى، وصوتاً أنثوياً يهمس: “لقد تأخرت كثيراً في النزول إليّ..”تجمّد "ياسين" في مكانه، أنفاسه المتقطعة هي الصوت الوحيد الذي يكسر سكون القبو، باستثناء ذلك الهمس الذي اخترق أذنيه. شعر ببرودة غير طبيعية تنسلّ إلى عظام صدره، وكأن الهواء تحول إلى قطع من الثلج.

حاول الضغط على زر المصباح اليدوي بعصبية.. طك.. طك.. طك.. وفجأة، اشتعل الضوء بوميض خافت ومهتز، ليكشف عن فراغ تام. لم يكن هناك أحد خلفه. لكن الصندوق الخشبي الذي كان بين يديه قد اختفى.

الفصل الثاني: المذكرات الملعونة

صعد ياسين إلى الغرفة العلوية ركضاً، وقلبه يقرع صدغه مثل طبول الحرب. ارتمى على الكرسي والتقط المذكرات التي سقطت منه أثناء ركضه. بدأ يقلب الصفحات بذهول، الخط كان يزداد سوءاً كلما تقدم في السنوات.

كانت المذكرات تخص امرأة تُدعى "صافيناز"، كانت تعيش في هذا البيت مع زوجها "كمال". كتبت في إحدى الصفحات:

"كمال يقول إنني أتخيل الأشياء، يقول إن الظلال التي أراها في زوايا الغرف هي مجرد انعكاسات للأشجار بالخارج.. لكنني رأيت "الرجل الثالث" اليوم. كان يقف في القبو، بلا وجه، ويمسك بمرآة مكسورة. لم يكن ينظر إليّ، بل كان ينظر إلى المستقبل."

توقف ياسين عن القراءة. "الرجل الثالث"؟ "المستقبل"؟

شعر برغبة عارمة في مغادرة البيت فوراً، لكنه حين التفت نحو الباب، وجده قد اختفى. لم يعد هناك باب للغرفة، فقط جدار أصم من الطوب القديم عليه ورق حائط مهترئ بدأ يتقشر أمام عينيه ليكشف عن كلمات محفورة في الحجر: “أنت الآن الحارس الجديد.”

الفصل الثالث: فخ الزمان

مرت ساعات، أو ربما أيام، لم يعد ياسين يعرف. الساعات في البيت توقفت جميعاً عند الثالثة فجراً. بدأ يشعر بالجوع، لكن المطبخ لم يعد موجوداً. كلما خرج من غرفته، وجد نفسه يعود إليها من الباب المقابل، وكأن البيت صار حلقة مفرغة (Möbius strip) من الممرات التي لا تنتهي.

في لحظة يأس، التقط المرآة اليدوية المكسورة التي وجدها في القبو (والتي ظهرت فجأة على مكتبه). نظر فيها، لكنه لم يرَ وجهه. رأى "كمال"، زوج صافيناز، وهو يبكي في نفس الغرفة، لكن بملابس قديمة. كان كمال يكتب نفس الكلمات التي قرأها ياسين في المذكرات.

أدرك ياسين الحقيقة المرة: البيت لا يقتل سكانه، بل يسرق زمنهم.

كل من دخل هذا البيت صار سجيناً في "لحظة" معينة، يتكرر وجوده فيها إلى الأبد. هو الآن يعيش في عام 2026، لكنه في نفس الوقت يقف بجانب كمال في 1952، وبجانب شخص آخر سيمر بعد مئة عام.

الفصل الرابع: محاولة الهروب الأخيرة

تذكر ياسين جملة في المذكرات: "الخلاص في الانكسار".

نظر إلى المرآة المكسورة في يده. كانت هي الرابط. كلما نظر فيها شخص، انحبس جزء من روحه في انعكاسها.

قرر ياسين القيام بمخاطرة مجنونة. بدلاً من محاولة الخروج من الأبواب، بدأ بتحطيم الجدران بآلته الكاتبة الثقيلة. ومع كل ضربة، كان يسمع صراخاً بشرياً ينبعث من الحجر، وكأن البيت يتألم.

وفجأة، انهار الجدار، لكنه لم يجد الشارع بالخارج. وجد نفسه في غابة من المرايا الضخمة، وفي كل مرآة، كان يرى نسخة منه:

نسخة منه وهو طفل يبكي.

نسخة منه وهو عجوز يحتضر.

ونسخة منه.. بلا وجه، يمسك بمرآة مكسورة.

النهاية: صدى لا ينتهي

في الصباح التالي، كان البيت الريفي هادئاً تماماً. جاء السمسار مع مشترٍ جديد، شاب طموح يبحث عن الهدوء ليكتب أبحاثه.

دخل الشاب الغرفة العلوية، وجد آلة كاتبة قديمة عليها ورقة بيضاء، مكتوب فيها سطر واحد فقط:

“لا تنظر إلى الزوايا، ولا تلمس الصندوق في القبو.”

ابتسم الشاب وقال للسمسار: “يبدو أن المستأجر السابق كان يملك خيالاً واسعاً.”

بينما كان الشاب يتحدث، لمح في زاوية الغرفة خيالاً لرجل يحمل مرآة مكسورة. لم يهتم، وظن أنها مجرد ظلال الأشجار.

لكن في تلك اللحظة، في مكان ما خارج الزمان، كان ياسين يصرخ محاولاً تحذيره، لكن صوته لم يكن سوى.. صدى خفيف خلف الخشب.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Ziad Yasser تقييم 5 من 5.
المقالات

6

متابعهم

4

متابعهم

3

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.