الفضول الذي أودى بصاحبه

الفضول الذي أودى بصاحبه
في الليلة اللي اشتريت فيها الصندوق القديم
من سوق الكتب المستعملة، كنت فاكر إني كسبت صفقة. خشب متآكل، أقفال صدى، وريحة ورق عفن. الراجل العجوز اللي باعهولي ما بصليش في عيني وهو بياخد الفلوس، وقال جملة واحدة قبل ما أمشي:
"لو لقيت كتاب مربوط بخيط أسود… ارجعه."
ضحكت ومشيت.
أنا طول عمري عندي مرض اسمه الفضول. لازم أعرف، لازم أفتح، لازم أشوف اللي الناس بتخاف منه. يمكن عشان كده أنا اللي بكتب دلوقتي… لو كان ده اسمه كتابة أصلًا.
في آخر الصندوق، تحت الجرائد القديمة، لقيته.
كتاب سميك، جلده ناشف كأنه جلد حيوان، مربوط بخيط أسود متعقد سبع عقد. مفيش عنوان، مفيش اسم مؤلف، بس علامة محفورة على الغلاف شبه عين مفتوحة.
أول ما لمسته، حسيت بوخز في أطراف صوابعي.
سيبته شوية… وبعد نص ساعة كنت بفك العقد.
أول صفحة كانت فاضية.
التانية كمان.
لحد الصفحة الخامسة، لقيت سطر بالعربي، مكتوب بحبر باهت:
"لا تقرأ بصوت مسموع."
ابتسمت. الحركات دي بتاعة أفلام الرعب. قربت الكتاب من وشي، وقلت بصوت عالي وأنا بضحك:
"لا تقرأ بصوت مسموع."
في نفس اللحظة، باب الشقة اتقفل بعنف لدرجة إن الصور وقعت من على الحيطة.
وقفت مكاني.
قلبي دق مرة واحدة جامدة… وبعدها سكت كل شيء.
أقنعت نفسي إنها هوا.
لكن مكنش فيه شباك مفتوح.
أول ليلة، حلمت إن في حد واقف عند طرف السرير. طويل جدًا، راسه لامس السقف، ووشه مطموس. كنت حاسس إنه بيبصلي رغم إنه ملوش عينين.
صحيت مخنوق.
لقيت آثار خمس صوابع زرقا حوالين رقبتي.
تاني يوم رميت الكتاب في الدولاب وقفلت عليه.
بالليل، رجعت من الحمام لقيته مفتوح على المخدة.
مفتوح على صفحة فيها رسمة بيتي.
والشباك اللي في الرسمة… كان فيه حد واقف وراه.
لفيت أبص على الشباك الحقيقي.
مفيش حد.
بس الستارة كانت بتتحرك ببطء… من جوه لأ بره.
بدأت أسمع همس.
مش واضح. مجرد حروف متكسرة، زي حد بيتكلم تحت المية. كل ما أقرب ناحية الصوت، يسكت. كل ما أبعد، يرجع.
بعد أسبوع، مبقتش بنام غير ساعة أو اتنين. أول ما أغمض عيني، ألاقي ناس واقفة في الأوضة.
مرة أمي.
مع إن أمي ماتت من سبع سنين.
كانت واقفة عند الباب، ضهرها ليا. ناديت عليها.
لفت.
وشها كان أبيض من غير ملامح… إلا فم مفتوح لحد أذنها.
صحيت وأنا بصرخ.
لقيت ضوافري مكسورة والحيطة قدامي متخربشة من كتر ما كنت بحك فيها وأنا نايم.
روحت لشيخ في مسجد قريب. حكيتله كل حاجة.
أول ما قلت كلمة "كتاب"، وشه اتغير.
قاللي: "جبته منين؟"
قلتله.
سكت شوية وقال: "ارمه في مية جارية، ومتفتحوش تاني."
رجعت البيت، خدت الكتاب ونزلت على النيل. رميته بإيدي وشوفت الدواير على سطح المية وهو بيغرق.
لأول مرة من أيام حسيت براحة.
رجعت البيت، فتحت باب الشقة…
لقيته على الترابيزة.
ناشف.
من الليلة دي بدأ التعذيب الحقيقي.
كنت أصحى ألاقي رجلي مربوطين بملاءات السرير.
ألاقي شعري مقصوص ومترمي جنبي.
مرة صحيت لقيت سن من أسناني على المخدة.
مرة دخلت الحمام، بصيت في المراية، لقيت انعكاسي واقف مكاني… وأنا اللي اتحركت.
فضلت ثابت أنا وهو بيتحرك لوحده، يبتسملي، ويرفع صباعه على بقه:
"ششش."
كسرت المراية بقبضتي.
نزفت جامد.
لكن الدم اللي على الأرض كان أسود.
بقيت أنسى الوقت.
أبص في الساعة تبقى 9 بالليل، أغمض وافتح تبقى 4 الفجر.
تليفوني مليان صور أنا مصورهاش.
كلها ليا وأنا نايم.
من زوايا مستحيل حد يقف فيها.
مرة من تحت السرير.
مرة من جوه الدولاب.
مرة من فوق الدولاب… والسقف منخفض أصلًا.
بطلت أكل.
كل ما أمد إيدي للأكل، أشم ريحة لحم متعفن.
كل ما أشرب مية، ألاقيها تقيلة ولزجة كأنها دم.
نزل وزني بسرعة، ووشي بقى غريب. عينيا غارت، جلدي اصفر.
الجيران ابتدوا يشتكوا من الصريخ اللي بيطلع من شقتي كل ليلة.
أنا مكنتش بصرخ.
على الأقل… مش فاكر.
قررت أحرق الكتاب.
حطيته في حلة معدن، صبيت عليه بنزين، ولعت عود كبريت.
قبل ما أرميه، سمعت صوت من ورايا.
صوت أمي.
"متعملش كده يا حبيبي."
اتجمدت.
أنا عارف إن ده مش صوتها الحقيقي… لكن قلبي صدق.
لفيت.
كانت واقفة في المطبخ، لابسة نفس فستان دفنت بيه.
وشها سليم المرة دي.
كانت بتبكي.
"أنا بردانة."
وقعت عود الكبريت من إيدي.
بصيت تاني ناحية المطبخ…
مفيش حد.
رجعت للكتاب.
لقيت البنزين جوه الحلة اتحول لمية.
بقيت أسمعهم أكتر من صوت واحد.
أطفال بيضحكوا جوه الحيطان.
راجل بيقولي اسمي من تحت السرير.
ست بتعدّ أرقام طول الليل.
واحد كل فجر يقرب من ودني ويهمس:
"اقرأ الصفحة الأخيرة."
ماكنتش قادر.
لكن الفضول… لعنة أقدم من الجن نفسه.
في الفجر فتحت الصفحة الأخيرة.
كان فيها سطر واحد:
"لن يخرج حتى تدخل مكانه."
الأوضة بردت فجأة.
الأنوار طفت.
ومن تحت السرير خرجت يد بشرية… طويلة جدًا… أصابعها أكتر من الطبيعي… ومكسوة شعر أسود.
مسكت كاحلي.
جريت أصرخ، وقعت، حسيت ضهري اتكسر.
سحبتني تحت السرير.
المسافة بين الأرض والسرير كانت شبرين.
لكن من تحت… كان فيه ممر طويل بلا نهاية.
شيء ما كان بيزحف ناحيتي في الضلمة.
صحيت بعدها على الأرض في الصالة.
مش عارف ده حلم ولا لأ.
بس كان في طين تحت ضوافري… وريحة قبر في هدومي.
روحت مستشفى نفسي.
الدكتور قال إنها هلاوس من قلة النوم.
اداني منوم.
نمت هناك أول ليلة من غير أحلام.
صحيت على صوت الممرضة بتصرخ.
لقوهم كاتبين على الحيطة فوق سريري بدم:
"هو ليا."
خرجوني.
بعد شهر، بقيت أعرف إن مفيش هروب.
كل ما أقفل باب ألاقيه مفتوح.
كل ما أولع نور يطفي.
كل ما أبص في المراية ألاقيه واقف ورايا.
طويل.
صامت.
مستني.
وفي آخر أسبوع، بدأ يكلمني بصوتي أنا.
"ريح نفسك."
"أنت تعبت."
"اقفز وأنا هاخد مكانك."
طلعت سطح العمارة الفجر.
الدنيا كانت ساكتة.
المدينة تحتيا بعيدة كأنها مش حقيقية.
وقفت على الحافة، ورجليا بتترعش.
قلت بصوت عالي: "سيبني!"
سمعت الرد من جنبي مباشرة:
"أنا سايبك… من زمان."
بصيت.
كان واقف جنبي بنفس شكلي تمامًا.
نفس وشي، نفس هدومي، نفس الخدوش.
ابتسم.
وزقني.
الجيران قالوا إني انتحرت.
قالوا كانوا سامعينني بكلم نفسي فوق السطح.
قالوا محدش كان معايا.
لما الشرطة فتحت الشقة، لقوا الكتاب على الترابيزة.
مفتوح على أول صفحة.
وفيها سطر جديد مكانش موجود قبل كده:
"تم التحرر."