همسات من أسفل السرير
همسات من أسفل السرير
كان المطر يضرب زجاج النوافذ بعنف، بينما وقف ياسين وسط الشقة الضيقة يتأمل الجدران المتشققة والرائحة العفنة التي تملأ المكان. لم يكن يملك خيارًا آخر؛ الإيجار رخيص، والعمل بالكاد يكفي للطعام. حاول إقناع نفسه أن القصص التي أخبره بها حارس العقار مجرد خرافات قديمة لتسلية السكان.
قال الحارس قبل أن يغادر:
“لو سمعت صوت تحت السرير… ما تبصش.”
ضحك ياسين وقتها، لكنه الآن، في منتصف الليل، لم يكن يضحك أبدًا.
أطفأ الأنوار واستلقى على السرير محاولًا النوم، لكن بعد دقائق سمع صوتًا خافتًا جدًا.
همس.
صوت امرأة تبكي.
فتح عينيه ببطء وحدق في الظلام. الصوت كان يأتي من أسفل السرير مباشرة.
حبس أنفاسه، وأقنع نفسه أنها أصوات المواسير أو الرياح، ثم أغلق عينيه مجددًا. لكن الهمسات ازدادت وضوحًا.
“ساعدني…”
قفز ياسين من مكانه وأضاء مصباح هاتفه بسرعة، ثم ركع لينظر أسفل السرير.
لا شيء.
مجرد ظلام كثيف وطبقة غبار قديمة.
عاد للنوم بصعوبة، لكن في الثالثة فجراً استيقظ على صوت خربشة قوية تحت السرير، كأن شخصًا يحاول الخروج. جلس متجمدًا والعرق يغطي جسده، ثم سمع نفس الهمسة مرة أخرى، هذه المرة بصوت طفل صغير:
“هو وراك…”
توقف قلبه للحظة.

شعر بأنفاس باردة تضرب رقبته من الخلف ببطء.
استدار بسرعة، لكنه لم يجد شيئًا. الغرفة فارغة… إلا أن باب الدولاب كان مفتوحًا رغم أنه أغلقه بنفسه.
في الصباح حاول مغادرة الشقة، لكن الغريب أن بابها الخارجي لم يُفتح. ظل يدور المفتاح بعنف دون فائدة، ثم سمع صوت الحارس من خلف الباب يقول بهدوء:
“هي اختارتك.”
تراجع ياسين للخلف مذعورًا، وفجأة انطفأت الأنوار بالكامل. بدأ يسمع خطوات بطيئة تزحف داخل الغرفة، تقترب من السرير.
خطوة…
ثم أخرى…
ثم صوت احتكاك أظافر بالأرض.
أضاء هاتفه المرتجف، فلاحظ شيئًا مرعبًا.
آثار أقدام سوداء مبتلة تظهر على الأرض وحدها، وتتجه نحوه.
تجمد في مكانه بينما ارتفع صوت الهمسات حوله من كل الجهات:
“انزل تحت السرير…”
أغلق أذنيه وهو يصرخ، لكن الأصوات لم تتوقف. شعر فجأة بشيء يلمس قدمه من الأسفل.
يد باردة.
يد نحيلة جدًا.
حاول الابتعاد، لكن اليد أمسكت كاحله بقوة خارقة وسحبته نحو السرير. تشبث بالأرض بكل ما يملك، وأظافره تخدش البلاط بينما نصف جسده يُسحب إلى الظلام.
وفي اللحظة التي اقترب فيها وجهه من أسفل السرير… رأى شيئًا جعل صرخته الأخيرة تختنق داخل صدره.
لم يكن هناك فراغ تحت السرير.
بل غرفة كاملة.
غرفة مليئة بالوجوه الشاحبة والأجساد المكدسة، وكلها تحدق فيه بابتسامات مرعبة.
وفي المنتصف جلست امرأة طويلة بعينين سوداوين تمامًا، تهمس بصوت هادئ:
“أخيرًا… لن أبقى وحيدة بعد الآن.”
اختفى ياسين في تلك الليلة.
وفي اليوم التالي، جاء مستأجر جديد للشقة.
وعندما سأله الحارس إن كان قد سمع أي أصوات غريبة، ابتسم ابتسامة باردة وقال:
“لو سمعت صوت تحت السرير… ما تبصش.”
