العهد المنسي مع ادم

العهد المنسي مع ادم

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about العهد المنسي مع ادم

العهد المنسي

لم يكن آدم يؤمن بالخرافات، لكن البيت القديم الذي ورثه عن جده في أطراف القرية كان يملك وسيلة خاصة لجعله يغير رأيه. كان البيت يئن تحت وطأة السنين، وجدرانه المتشققة بدت وكأنها تتنفس بصعوبة، وصوت صرير الأخشاب في الليل كان يشبه صرخات مكتومة لأرواح سُجنت بين جدرانه منذ أمد بعيد. قضى آدم يومه الأول في تنظيف الغبار المتراكم، محاولاً إقناع نفسه بأن البرودة القارصة التي تسكن الغرف هي مجرد نتيجة لغياب الشمس لفترات طويلة.

​في الليلة الأولى، وبينما كان آدم يفرغ صناديق مقتنياته في القبو المظلم، تعثر بقطعة قماش مخملية سوداء ثقيلة تغطي شيئاً ضخماً يتوسط المكان. انبعثت رائحة غريبة من تحت القماش، مزيج من رائحة العفن والمسك القديم. بفضول متهور يدفعه شغف اكتشاف أسرار عائلته، نزع الغطاء بقوة ليكشف عن مرآة طولية مهيبة. كان إطارها البرونزي مزخرفاً بنقوش معقدة لرؤوس شياطين تلتف حول بعضها في عناق أبدي، وعيونها المرصعة بأحجار غامضة بدت وكأنها تراقبه.

​كانت المرآة غريبة؛ لم يكن زجاجها صافياً كالمرايا المعتادة، بل كان يميل لونه إلى الرمادي القاتم، وكأن خلفه ضباباً كثيفاً يتحرك في دوامات بطيئة. عندما وقف آدم أمامها، شعر ببرودة مفاجئة تجتاح الغرفة، برودة لا تنبع من الهواء، بل تنبع من أعماق الزجاج نفسه. نظر إلى انعكاسه، وبدا كل شيء طبيعياً في البداية، لكن سرعان ما لاحظ تفصيلاً صغيراً جعل قلبه يقفز من مكانه: انعكاسه في المرآة كان يبتسم ببطء، بينما كانت ملامحه الحقيقية جامدة من الذعر.

​تجمد آدم في مكانه، حاول أن يرمش أو يدير ظهره ويهرب، لكن جسده كان مشلولاً بفعل قوة غير مرئية. في تلك اللحظة، بدأ "آدم الآخر" داخل المرآة يتحرك بحرية تامة، مستقلاً عن حركاته. رفع الانعكاس يده الشاحبة ووضعها على سطح الزجاج من الداخل، وبدأ يهمس بصوت أجوف يشبه حفيف الأوراق الجافة في مقبرة منسية: “لقد طال غيابك يا آدم.. دماء العائلة عادت أخيراً لتجدد العهد القديم.. الأرض عطشى، والجانب الآخر يحتاج لجسد جديد.”

​فجأة، بدأ الزجاج يلين تحت أصابع الكيان، وتحول من مادة صلبة إلى ما يشبه السائل اللزج. خرجت يد شاحبة طويلة الأظافر من وسط المرآة، واخترقت الفراغ بينهما لتمسك بعنق آدم الحقيقي بقبضة حديدية. حاول آدم الصراخ، لكن صوته خفت وكأن الهواء يُسحب من رئتيه إلى داخل المرآة. بدأ يشعر بجسده ينجذب نحو الزجاج، بينما كان الكيان يخرج ببطء، ملامحه تتشكل لتتطابق تماماً مع ملامح آدم، باستثناء تلك الابتسامة الشيطانية والعينين اللتين بدأتا تتحولان إلى سواد مطلق.

​انطفأت الأنوار فجأة وساد صمت مطبق لعدة ثوانٍ، لم يسمع فيها سوى صوت تحطم طفيف للزجاج. عندما عاد الضوء، كان القبو خالياً تماماً من أي أثر للمقاومة. المرآة كانت لا تزال في مكانها، لكن المشهد داخلها قد تغير تماماً؛ كان آدم الحقيقي يقف الآن خلف الزجاج، في عالم رمادي موحش لا ينتهي، يضرب السطح البارد بيأس ويصرخ صرخات صامتة لا تتجاوز حدود الإطار البرونزي.

​أما خارج المرآة، فقد وقف الكيان الذي سرق ملامحه، عدّل ياقة قميصه ببرود، ونظر إلى الساعة في معصمه بابتسامة نصر. خرج "آدم المزيف" من القبو بخطوات واثقة، متوجهاً إلى الطابق العلوي ليبدأ حياته الجديدة بين البشر، تاركاً خلفه روحاً سُجنت في عالم الظلال، ومرآة تنتظر بصبر الضحية القادمة التي ستجرؤ على النظر في أعماقها.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمود عدلي تقييم 5 من 5.
المقالات

7

متابعهم

2

متابعهم

0

مقالات مشابة
-