صدى الغرفة المغلقة: حين يعود الماضي لينتقم

صدى الغرفة المغلقة: حين يعود الماضي لينتقم
لم يكن ياسر يؤمن بالخرافات، كان شابًا عقلانيًا يعمل في مجال البرمجة، ويرى أن لكل شيء في الكون تفسيرًا علميًا. لذلك، عندما عرض عليه السمسار تلك الشقة الواسعة في بناية قديمة وسط القاهرة بسعر بخس، لم يتردد لحظة. تجاهل نظرات الجيران المريبة، وتجاهل أيضًا ذلك الجدار الغريب في نهاية الممر؛ جدار مكسو بورق حائط قديم ومبني بطريقة عشوائية وكأنه سدّ لغرفة سابقة.
في الليلة الأولى، استلقى ياسر على أريكته يستمتع بالهدوء. لكن مع دقات الثانية صباحًا، انكسر الصمت.
صوت خدش خفيف، كأظافر بشريّة تحفر في الإسمنت.
نهض ياسر، وظن أنها فئران خلف الجدار. اقترب من الحائط المريب، ووضع أذنه عليه. فجأة، توقف الخدش، وحل مكانه صوت أنفاس متلاحقة وعميقة... أنفاس شخص يختنق! تراجع ياسر خطوتين والخوف يطرق صدره لأول مرة. حاول إقناع نفسه بأنه مجرد صدى لصوت الرياح في مناور البناية، وعاد للنوم بعد أن أغلق باب غرفته بإحكام.
لكن الليلة الثانية كانت الجحيم بعينه. استيقظ ياسر على برودة شديدة تجمدت لها أطرافه. عندما فتح عينيه، وجد أنوار الشقة تومض ببطء. خرج إلى الصالة مدفوعًا برعب لا يقاوم، ليرى شيئًا جعل دمه يتجمد في عروقه. ورق الحائط القديم على ذلك الجدار كان يتساقط ويتآكل تلقائيًا، وكأن هناك أسيدًا يذيبه من الداخل. ومن ورائه، بدأت مادة لزجة حمراء تشبه الدم الجاف تسيل من بين شقوق الطوب.
وفي وسط السكون، خرج صوت همس مبحوح، صوت امرأة ميتة، ينطق اسمه بوضوح:
"يااااسر... لم يتبقَّ سوى القليل... لقد تركوني هنا أموت خنقًا... والآن جاء دورك لتملأ الفراغ."
شُلّت حركة ياسر تمامًا، وحاول الصراخ لكن صوته احتبس في حنجرته. فجأة، بدأت الشقوق في الجدار تتسع، وتناثرت قطع الإسمنت على الأرض، وظهرت من بين الفتحات أصابع مشوهة، نحيلة، ذات أظافر مكسورة ودامية، تحاول التمسك بحواف الطوب للخروج.
بذل ياسر أقصى قوته ليتحرر من ركوده، والتقط هاتفه ومفاتيح شقته واندفع نحو باب الشقة الخارجي. فتح القفل بجنون وخرج يركض في الردهة المظلمة، لكن الصدمة كانت عندما التفت خلفه؛ لم يكن باب الشقة مفتوحًا، بل وجد نفسه واقفًا داخل الصالة مرة أخرى، يواجه الجدار مباشرة! لقد انغلقت الأبعاد من حوله.
الآن، انهار الجدار بالكامل، وخرج منه طيف أسود بجسد ملتوي وعينين فارغتين تشعان غضبًا وموتًا. اندفع الكيان نحو ياسر بسرعة البرق، وأمسك برقبته بيدين باردتين كالثلج، وبدأ يسحبه ببطء نحو التجويف المظلم داخل الحائط.
كان ياسر يصرخ ويتوسل، وأظافره تتمسك بالسجادة، لكن القوة كانت خارقة للطبيعة. أُدخل ياسر في الفراغ الضيق والمظلم خلف الجدار، وفجأة، بدأت حجارة الطوب ترتفع وتترتب تلقائيًا لتغلق الفتحة عليه من جديد، طوبة تلو الأخرى.
في الصباح الباكر، جاء السمسار ليتفقد الشقة بعد أن اشتكى الجيران من صراخ في الليل. دخل الشقة فوجدها فارغة تمامًا، ولم يكن هناك أي أثر لياسر... باستثناء شيء واحد: الجدار القديم كان مرممًا بالكامل وناعمًا، لكن إذا اقتربت منه بدقة، يمكنك سماع صوت ضربات يائسة من الداخل، وصوت ياسر الباكي وهو يهمس: "أخرجوني من هنا... أرجوكم".