الكلبجية: المدينة التي اختفت رحمتها
🐾 الليلة التي ماتت فيها الكلاب
مقدمة: مدينة تبدّل جلدها في صمت
لم تكن مجرد حكاية عن كلاب ضالة.. بل عن مدينة كاملة تبدّل جلدها في صمت، عن تفاصيل دافئة تختفي من شوارع القاهرة بالتدريج دون أن يلتفت إليها أحد، وعن بشر قرروا فجأة أن يبيعوا الرحمة لشيطان مقابل أن يعيشوا بضمير مستريح.. أو هكذا توهموا.
في النهار، تبدو القاهرة كعادتها؛ زحام صاخب، وأصوات كلاكيت السيارات، وباعة ينادون على بضائعهم. كل شيء يبدو طبيعياً. لكن في الليل، حين ينفضّ ذلك المولد، تكشف المدينة عن وجهها الآخر.. الوجه الذي لا يرحم.
المطر والرفيق الوحيد
كانت السماء تمطر بهدوء في تلك الليلة من ليالي الشتاء. مطر خفيف، لكنه كان كافياً ليغسل أرصفة الشارع الضيق في حيّنا القديم ويجعله أكثر وحشة. كنت أسير عائداً من ورشة السيارات، وبجانبي "رعد".
رعد لم يكن مجرد كلب ضخم أنقذته من الموت قبل سنوات، بل كان الشيء الوحيد الذي يفهمني. يمشي بمحاذاتي كأنه حارسي وصديقي الأوحد.
لحظة التجمّد
فجأة، وبلا أي مقدمات، تسمّر رعد في مكانه.
شدّدت الحبل:
"يلا يا رعد.. ما تعكّرش سكون الليل."
لكنه لم يتحرك. أذناه للخلف، جسده متصلب، وعيناه مثبتتان على عتمة نهاية الشارع. شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
المشهد الذي لا يُنسى
رفعت هاتفي المتهالك وشغّلت الكشاف.
هناك… كانت الكارثة.
كلاب الشارع التي أعرفها واحدة واحدة، ملقاة بلا حراك. الصمت كان غير طبيعي، ثقيل، كأنه شيء أكبر من الموت نفسه.
اقتربت بخطوات مترددة، وركعت بجوار "بسبوسة".. الكلبة الصغيرة التي كانت تملأ الشارع حياة. كانت باردة، وعيناها مفتوحتان على ذهول أخير.
الظل على السطح
وسط الصمت، سُمِع صوت خفيف فوق السطح المقابل.
رفعت رأسي بسرعة.
لم أرَ شيئًا واضحًا… فقط ظلّ ينسحب، ولثانية خاطفة شعرت بوجود عينين خلف قناع أبيض تحدقان فيّ ببرود، قبل أن يختفي كل شيء.
مجموعة “الكلبجية”
عدت إلى الورشة، أغلقت الباب، وجلست عاجزًا.
أخرجت هاتفي ودخلت على مجموعة "الكلبجية". كتبت:
"الكلاب كلها اتسممت… ولمحت حد بقناع أبيض فوق السطوح."
لم تمر دقيقة حتى بدأت الرسائل تتساقط… ليس تعاطفًا، بل رعبًا.
الحقيقة التي بدأت تتشكل
كتب سيف:
"دي مش حالات فردية.. في نمط. في حملة منظمة."
وقالت الدكتورة مريم:
"السم سريع وغريب… مفيش وقت لإنقاذهم."
أما فارس فقال بجملة واحدة:
"في حد كبير بينضف الشوارع من حاجة معينة… والكلاب مجرد عائق."
رسالة لا تُفسَّر
في اليوم التالي، كانت القاهرة كأن شيئًا لم يحدث.
لكنني كنت أراها مختلفة… فارغة من الداخل.
وفي المساء، وصلني إشعار من رقم دولي مجهول.
صورة لـ"رعد" صغيرًا داخل قفص حديدي، وأسفلها جملة:
"هناك أبواب إذا فُتحت.. لن تُغلق مجددًا."
رفعت رأسي ببطء…
وكان رعد واقفًا عند باب الورشة ينظر للخارج بصمت.
النهاية: بداية شيء أكبر
نظرت حولي.
أنا وحدي في هذا المكان…
فمن أرسل الصورة؟
ومن يراقبنا من الخارج؟
وفي تلك اللحظة فقط… فهمت أن ما بدأ في الشارع، لم يكن النهاية… بل البداية الحقيقية.