همسات القصر المهجور
همسات القصر المهجور
لم يكن كريم يؤمن بالقصص المخيفة أو حكايات الأشباح التي كان يسمعها منذ صغره. كان دائم السخرية من أي شخص يخاف من الظلام أو يصدق أن الأرواح يمكن أن تعود للانتقام. لكن ذلك كله تغيّر في الليلة التي انتقل فيها مع عائلته إلى القرية القديمة.
كانت القرية هادئة بشكل غريب، شوارعها ضيقة ومنازلها متقاربة، والضباب يكسو المكان مع غروب الشمس كأنه ستار يخفي أسرارًا مخيفة. في أول يوم لوصولهم، لاحظ كريم وجود قصر ضخم على تلة مرتفعة خلف منزلهم الجديد. كان القصر قديمًا ومتهالكًا، نوافذه محطمة، وأبوابه سوداء كأنها احترقت منذ زمن.
سأل كريم أحد سكان القرية عن القصر، لكن الرجل تغيّر وجهه فجأة وقال بصوت منخفض:
"ابتعد عن ذلك المكان يا بني… لا أحد يدخله ويعود كما كان."
ضحك كريم ظنًا منه أن الرجل يحاول إخافته فقط، لكنه شعر بشيء غريب عندما لاحظ أن جميع أهل القرية يتجنبون النظر نحو القصر.
في تلك الليلة، بينما كان الجميع نائمين، استيقظ كريم على صوت همسات خافتة تأتي من خارج نافذته. اقترب بحذر وفتح الستار قليلًا، لكنه لم يرَ أحدًا. ومع ذلك، استمر الصوت وكأن شخصًا يقف قريبًا جدًا ويهمس بكلمات غير مفهومة.
حاول تجاهل الأمر وعاد إلى فراشه، لكن فجأة سمع طرقات قوية على باب غرفته. نهض بسرعة وفتح الباب، إلا أن الممر كان فارغًا تمامًا. شعر بقشعريرة تسري في جسده، ثم لمح ظلًا أسود يمر بسرعة في نهاية الممر قبل أن يختفي.
في الصباح، أخبر والدته بما حدث، لكنها اعتقدت أنه مجرد توتر بسبب الانتقال إلى مكان جديد. أما والده فطلب منه ألا يستمع إلى خرافات أهل القرية.
لكن الأمور أصبحت أكثر رعبًا في الأيام التالية.
كل ليلة، كان يسمع الهمسات نفسها، وأحيانًا يرى أشخاصًا يقفون قرب القصر ثم يختفون فجأة. وفي إحدى الليالي، استيقظ على صوت فتاة تبكي في الخارج. كان البكاء حزينًا ومؤلمًا لدرجة جعلته يخرج من المنزل دون تفكير.
تبع الصوت حتى وصل إلى بوابة القصر المهجور. كانت البوابة مفتوحة قليلًا رغم أن الرياح كانت ساكنة. تردد كريم للحظة، لكنه قرر الدخول.
كان الهواء داخل القصر باردًا بشكل غير طبيعي، والغبار يغطي الأرض والجدران. بينما كان يمشي ببطء، بدأت الأرضية الخشبية تصدر أصوات صرير مزعجة. فجأة، سمع صوت الباب خلفه يُغلق بقوة.
التفت بسرعة، لكنه لم يجد أحدًا.
بدأ قلبه يخفق بعنف، وشعر بأن هناك من يراقبه من الظلام. حاول فتح الباب لكنه كان مغلقًا بإحكام. ثم عادت الهمسات من جديد، لكنها هذه المرة كانت أوضح:
"ساعدني…"
تجمّد كريم في مكانه عندما رأى فتاة صغيرة تقف أعلى الدرج. كانت ترتدي فستانًا أبيض قديمًا، وشعرها الطويل يغطي نصف وجهها. لم تتحرك، فقط كانت تشير ببطء نحو الطابق العلوي.
رغم خوفه، صعد كريم الدرج خلفها. كل خطوة كانت تجعل الأصوات حوله أعلى، وكأن عشرات الأشخاص يهمسون في أذنيه. وعندما وصل إلى غرفة قديمة في نهاية الممر، اختفت الفتاة فجأة.
فتح الباب بحذر، ليجد الغرفة مليئة بالصور القديمة. كانت جميعها لعائلة كانت تعيش في القصر منذ سنوات طويلة. لكن أكثر ما أخافه صورة لطفلة صغيرة ترتدي الفستان الأبيض نفسه.
تحت الصورة، كانت هناك جملة مكتوبة بخط باهت:
"ماتت هنا… لكنها لم تغادر."
فجأة انطفأت الشموع القديمة الموجودة بالغرفة، وعمّ الظلام المكان بالكامل. بدأ يسمع صوت خطوات سريعة تقترب منه من الممر الخارجي. حاول الهرب لكن الباب أُغلق وحده.
ثم ظهر الظل الأسود أمامه.
كان طويلًا بشكل مرعب، بلا ملامح واضحة، وعيناه تلمعان بلون أحمر مخيف. شعر كريم بالعجز والخوف، ولم يستطع حتى الصراخ. اقترب الظل منه ببطء بينما امتلأت الغرفة بصوت صراخ وبكاء.
في اللحظة الأخيرة، ظهرت الفتاة الصغيرة مجددًا ووقفت بينه وبين الظل. بدأت الهمسات تتحول إلى صرخات غاضبة، ثم اختفى الظل فجأة وكأن قوة خفية أبعدته.
انفتح الباب بقوة، فركض كريم خارج الغرفة ونزل الدرج بسرعة حتى خرج من القصر بالكامل. وعندما وصل إلى منزله، اكتشف أن الوقت كان قد تجاوز الفجر.
في اليوم التالي، قرر سؤال كبار القرية عن حقيقة القصر. وبعد إلحاح طويل، أخبره أحد الشيوخ أن القصر شهد جريمة قديمة قبل عشرات السنين، حيث قُتلت طفلة صغيرة على يد رجل غامض اختفى بعدها دون أثر. ومنذ ذلك اليوم، أصبح القصر مسكونًا بالأرواح والظلال المرعبة.
مرت الأيام، لكن كريم لم ينسَ ما حدث أبدًا.
وفي بعض الليالي، عندما كان ينظر من نافذته نحو القصر المهجور، كان يرى الفتاة الصغيرة واقفة عند إحدى النوافذ… تراقبه بصمت وسط الظلام.
