“البيت الذي لا يفتح بابه أبدًا
“البيت الذي لا يفتح بابه أبدًا في قرية بعيدة عن المدينة، كان هناك طريق قديم لا يسلكه أحد بعد غروب الشمس، لأن الأهالي كانوا يقولون إن من يسير فيه ليلًا قد يرى أشياء لا ينبغي أن تُرى. رغم ذلك، لم يكن الشاب “يوسف” يؤمن بهذه الحكايات، وكان يعتبرها مجرد خرافات.
في إحدى الليالي، اضطر يوسف للعودة متأخرًا من قرية مجاورة بعد زيارة أحد أصدقائه. كان الجو باردًا والسماء ملبدة بالغيوم، ومع مرور الوقت بدأ الضباب يزداد كثافة حتى اختفى الطريق الذي يعرفه تمامًا. حاول استخدام هاتفه، لكن الإشارة كانت ضعيفة والبطارية أوشكت على النفاد.
بعد وقت طويل من السير، لاحظ يوسف شيئًا غريبًا؛ أشجار الطريق بدأت تختفي تدريجيًا، وحلّ محلها فضاء مفتوح تمامًا لا نهاية له. وفي وسط هذا الفراغ، ظهر بيت صغير قديم، يبدو وكأنه وُضع هناك دون أي تفسير. الغريب أن هناك ضوءًا خافتًا يخرج من نافذته، رغم أنه لا توجد أي منازل أخرى حوله.
اقترب يوسف بحذر، فشعر بأن الهواء أصبح أكثر دفئًا بشكل غير طبيعي. كان الباب مفتوحًا قليلًا، وكأن أحدًا ينتظره للدخول. تردد في البداية، لكن التعب والخوف من البقاء في العراء دفعاه إلى الدخول.
بمجرد أن دخل، أغلق الباب خلفه من تلقاء نفسه دون صوت. التفت بسرعة، لكن الباب أصبح كجدار صلب لا يمكن فتحه. ابتلع يوسف ريقه وشعر بقشعريرة تسري في جسده. داخل البيت، كان هناك ممر طويل مضاء بضوء أصفر خافت، وعلى الجدران كانت هناك صور قديمة لأشخاص لا يعرفهم، لكن وجوههم كانت مشوهة بشكل غير مريح.
سار ببطء حتى وصل إلى غرفة في نهاية الممر. كانت الغرفة مفتوحة، وبداخلها مرآة كبيرة تغطي جزءًا من الجدار. عندما نظر إليها، رأى نفسه، لكن انعكاسه كان متأخرًا عنه بثوانٍ، وكأنه يعيش في زمن مختلف.
فجأة، توقف الانعكاس عن الحركة، بينما ظل يوسف يتحرك. ثم بدأت صورة المرآة تبتسم ابتسامة غريبة لا تشبهه أبدًا. في تلك اللحظة، خرج صوت من داخل الغرفة يقول: “أخيرًا عدت… لقد انتظرناك طويلًا.”
حاول يوسف الهروب، لكن الأرض بدأت تهتز والباب اختفى تمامًا. ومع ازدياد الظلام، بدأ يشعر بأن جسده لم يعد تحت سيطرته. آخر ما رآه كان انعكاسه في المرآة وهو يخرج منها ويقف مكانه، بينما هو يُسحب ببطء إلى الداخل.
في صباح اليوم التالي، مرّ أحد سكان القرية بالقرب من الطريق، فوجد البيت كما هو، هادئًا ومهجورًا. لكن إذا وقف أحد أمام المرآة المكسورة داخل البيت، يمكنه أحيانًا أن يرى شخصًا غريبًا ينظر إليه من الداخل… ولا يرمش أبدًا.في الليلة التالية، عاد أحد سكان القرية وهو رجل عجوز يُدعى “سالم” إلى الطريق نفسه، بعدما سمع من بعض الشباب أنهم رأوا بيتًا غريبًا يظهر ويختفي. كان سالم أكثرهم خبرة بهذه القصص، لكنه لم يكن يؤمن بها، أو هكذا كان يقول لنفسه.
عندما وصل إلى المكان، لم يجد شيئًا في البداية سوى أرض خالية وصمت ثقيل. لكن بمجرد أن هبت ريح باردة، ظهر البيت فجأة أمامه وكأنه كان ينتظره. توقف سالم للحظة، ثم اقترب بحذر شديد.
“هذا مستحيل…” تمتم لنفسه وهو يحدق في الباب الذي بدا مألوفًا بشكل غريب.
دخل سالم البيت، فوجد الممر الطويل نفسه الذي وصفه البعض من قبل. الصور القديمة على الجدران كانت أكثر وضوحًا هذه المرة، وكأنه يرى وجوهًا تتحرك ببطء وتراقبه. ومع كل خطوة كان يسمع صوتًا خافتًا يشبه تنفسًا قريبًا منه.
في نهاية الممر، وصل إلى الغرفة ذات المرآة الكبيرة. كانت المرآة مكسورة في المنتصف، لكن الشق الذي فيها كان يلمع بضوء غريب. اقترب سالم أكثر، وفجأة رأى شيئًا لم يتوقعه.
لم يرَ نفسه فقط… بل رأى يوسف داخل المرآة، يقف في مكان مظلم تمامًا، يطرق الزجاج من الداخل وكأنه يحاول الخروج. كان فمه يتحرك وكأنه يصرخ، لكن لا صوت يصل إلى الخارج.
تراجع سالم خطوة إلى الوراء، لكن الصوت جاء هذه المرة من خلفه مباشرة:
“لا تحاول إنقاذه… لقد أصبح جزءًا من البيت الآن.”
التفت بسرعة، لكنه لم يجد أحدًا. عندما عاد بنظره إلى المرآة، وجد أن الشق بدأ يختفي تدريجيًا، وكأن الزجاج يُصلح نفسهجأة، بدأت الأرض تهتز بقوة، والباب خلفه أغلق وحده. بدأت الجدران تصدر أصوات تشبه الهمس الجماعي، وكلها تنطق بكلمة واحدة: “ابقَ…”
حاول سالم الهرب بكل قوته، لكن الممر بدا أطول من قبل، وكأن البيت يتغير باستمرار ليمنعه من الخروج. كلما ركض، عاد لنفس الغرفة مرة أخرى.
وفي لحظة صمت مفاجئة، سمع صوت يوسف قريبًا جدًا من أذنه:
“لم يكن يجب أن تدخل… الآن لن يتركك.”
في الصباح، لم يعد البيت ظاهرًا في ذلك المكان. لكن أهل القرية يقولون إن أي شخص يمر بالطريق ليلًا قد يرى رجلًا عجوزًا يقف في الضباب، ينظر إليه بصمت… وكأنه ينتظر دوره ليُستبدل.