الظل الذي لا يفارق

الظل الذي لا يفارق

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

 

image about الظل الذي لا يفارق

الظل الذي لا يفارق

كانت الشقة التي استأجرها سامر في الطابق الرابع من بناية سكنية قديمة، تتميز بجدرانها الباهتة وأرضياتها الخشبية التي تئن مع كل خطوة. لم تكن مثالية، لكنها كانت ما يستطيع تحمل تكلفته في ذلك الوقت. في الأيام الأولى، كانت الأمور تسير بشكل طبيعي، مجرد الهدوء المعتاد لحي قديم. ولكن مع مرور الأسبوع الأول، بدأ سامر يلاحظ أشياء غريبة.

البداية كانت بسيطة؛ شعور خفي بالمراقبة، برودة مفاجئة تسري في أوصاله رغم دفء الغرفة، وأصوات خافتة لا مصدر لها في منتصف الليل. ظن في البداية أنها مجرد تهيؤات ناتجة عن التعب والإرهاق، أو ربما أصوات الجيران أو حتى تمدد خشب الأرضية. لكن الأمور أخذت منحنى أكثر رعبًا عندما بدأ يرى "الظل".

في إحدى الليالي، بينما كان يجلس على أريكته يقرأ كتابًا على ضوء مصباح خافت، لاحظ شيئًا يتحرك في الزاوية المظلمة من الغرفة. التفت بسرعة، لكنه لم يرَ شيئًا. عاد إلى كتابه، لكن الشعور بوجود شخص آخر في الغرفة كان قويًا لدرجة لا يمكن تجاهلها. نظر مرة أخرى، وهذه المرة، رأى بوضوح ظلًا طويلًا وممتدًا على الجدار المقابل، لكن المشكلة كانت أنه لم يكن ظله هو. كان الظل يقف هناك، صامتًا، يراقب.

فرك سامر عينيه بقوة، معتقدًا أنه ربما يحلم أو يتخيل، لكن الظل ظل مكانه. حاول إقناع نفسه بأنه ظل قطعة أثاث، لكن شكل الظل كان واضحًا؛ كان ظل إنسان، إنسان طويل القامة، وله أذرع طويلة بشكل غير طبيعي. تجمد سامر في مكانه، ولم يجرؤ على الحركة. مر الوقت ببطء شديد، حتى اختفى الظل أخيرًا، وكأنه ذاب في الظلام.

منذ تلك الليلة، لم يعد الظل يفارق سامر. كان يظهر له في كل مكان؛ في المطبخ، في الحمام، وحتى في غرفة نومه. كان يظهر دائمًا في الزوايا المظلمة، يراقبه بصمت مرعب. بدأ سامر يفقد عقله ببطء. لم يعد يستطيع النوم، وأصبح يعاني من هلوسات وكوابيس مرعبة. حاول إخبار أصدقائه وعائلته، لكنهم اعتبروها مجرد ضغوط نفسية أو قلة نوم، ونصحوه برؤية طبيب.

لكن سامر كان يعرف الحقيقة؛ كان يعرف أن هذا الظل حقيقي، وأنه يتغذى على خوفه. بدأ يلاحظ أن الظل يزداد قوة ووضوحًا مع كل يوم يمر، وكأنه يمتص طاقته وحياته. وفي إحدى الليالي، بينما كان سامر يحاول النوم، سمع صوتًا خافتًا يهمس باسمه. فتح عينيه ببطء، ليرى الظل يقف بجانب سريره، وهو أقرب من أي وقت مضى.

لم يعد الظل مجرد ظل على الجدار، بل أصبح له شكل مجسم، وكأنه كيان حقيقي من الظلام. مد الظل يده الطويلة نحو سامر، ولمس وجهه. كانت لمسته باردة كالثلج، وشعر سامر وكأن روحه تُسحب من جسده. حاول الصراخ، لكن صوته خذله. حاول الحركة، لكن جسده كان مشلولًا.

أدرك سامر في تلك اللحظة المرعبة أنه لن يستطيع الهروب من هذا الظل، وأن هذه الشقة القديمة ستكون مقبرته. أغمض عينيه، واستسلم للظلام الذي كان يبتلعه ببطء، ليصبح هو نفسه جزءًا من هذا الظل الذي لا يفارق.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمد حسان تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-